الضنك، والآية تتناول ما هو أعمُّ منه، وإن كانت نكرةً في سياق الإثبات، فإنّ عمومها من حيث المعنى١، فإنّه سبحانه رتب المعيشة الضنك على الإعراض عن ذكره.
فالمعرض عنه له من ضنك المعيشة٢ بحسب إعراضه، وإن تنعّم في الدنيا بأصناف النعيم، ففي قلبه من الوحشة والذل والحسرات التي تقطع القلوب والأماني الباطلة والعذاب الحاضر ما فيه، وإنّما يواريه عنه سكرُ الشهوات والعشق وحبّ الدنيا والرياسة، إن لم ينضمَّ إلى ذلك سكرُ الخمر! فسكر هذه الأمور أعظم من سكر الخمر، فإنّه يفيق صاحبه ويصحو، وسكرُ الهوى وحبّ الدنيا لا يصحو٣ صاحبه إلا إذا
= وفي تهذيب الآثار (مسند عمر- ٧٢٨) وابن أبي شيبة ٣/ ٥٩ (١٢٠٦١) وهنّاد (٣٥٤). وأما حديث أبي سعيد الخدري فأخرجه مرفوعًا الحاكم ٢/ ٤١٣ (٣٤٣٩) والبيهقي في عذاب القبر (٥٨، ٥٩). وروي من طرق أخرى موقوفًا. أخرجه ابن أبي شيبة ٧/ ١٤٤ (٣٤٨٣٧) والطبري (١٦/ ٢٢٨) والبيهقي في عذاب القبر (٥٩). والموقوف أصح. ورواه أيضًا ابن أبي هلال عن أبي حازم عن أبي سعيد موقوفًا. أخرجه الطبري (١٦/ ٢٢٧). وأما أثر ابن مسعود موقوفًا فأخرجه هناد في الزهد (٣٥٢) والطبراني (٩/ رقم ٩١٤٣) والطبري (١٦/ ٢٢٨) وسنده حسن. وأما أثر ابن عباس فأخرجه البيهقي في عذاب القبر (٦٨) وسنده حسن. وجاء أيضًا عن السدي وأبي صالح ومجاهد وزاذان. انظر الطبري (١٦/ ٢٢٨) وعذاب القبر للبيهقي (٦٣، ٦٤).
فالمعيشة الضنك لازمة لمن أعرض عن ذكر الله الذي أنزله على رسوله ﷺ في دنياه، وفي البرزخ، ويوم معاده.
ولا تقرّ العين، ولا يهدأ القلب، ولا تطمئن النفس إلا بإلهها ومعبودها الذي هو حقّ، وكلّ معبود سواه باطل. فمن قرّت عينه بالله قرّت به كلُّ عين، ومن لم تقرّ عينه بالله٢ تقطعت نفسه على الدنيا حسرات. والله تعالى إنما جعل الحياة الطيبة لمن آمن به وعمل صالحًا، كما قال تعالى: ﴿مَنْ عَمِلَ صَالِحًا مِنْ ذَكَرٍ أَوْ أُنْثَى وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَلَنُحْيِيَنَّهُ حَيَاةً طَيِّبَةً وَلَنَجْزِيَنَّهُمْ أَجْرَهُمْ بِأَحْسَنِ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ ٩٧﴾[النحل: ٩٧]. فضَمِن لأهل الإيمانِ والعملِ الصالحِ الجزاءَ في الدنيا بالحياة الطيّبة وبالحسنى يوم القيامة، فلهم أطيب الحياتين، وهم أحياء في الدارين.
ففاز المتقون المحسنون بنعيم الدنيا والآخرة، وحصلوا على الحياة الطيبة في الدارين، فإنّ طيبَ النفس وسرورَ القلب وفرحَه ولذّتَه وابتهاجَه وطمأنينتَه وانشراحَه ونورَه وسعتَه وعافيتَه من الشهوات