الداء والدواء

صار١ في عسكر الأموات.

فالمعيشة الضنك لازمة لمن أعرض عن ذكر الله الذي أنزله على رسوله ﷺ في دنياه، وفي البرزخ، ويوم معاده.

ولا تقرّ العين، ولا يهدأ القلب، ولا تطمئن النفس إلا بإلهها ومعبودها الذي هو حقّ، وكلّ معبود سواه باطل. فمن قرّت عينه بالله قرّت به كلُّ عين، ومن لم تقرّ عينه بالله٢ تقطعت نفسه على الدنيا حسرات. والله تعالى إنما جعل الحياة الطيبة لمن آمن به وعمل صالحًا، كما قال تعالى: ﴿مَنْ عَمِلَ صَالِحًا مِنْ ذَكَرٍ أَوْ أُنْثَى وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَلَنُحْيِيَنَّهُ حَيَاةً طَيِّبَةً وَلَنَجْزِيَنَّهُمْ أَجْرَهُمْ بِأَحْسَنِ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ ٩٧﴾ [النحل: ٩٧]. فضَمِن لأهل الإيمانِ والعملِ الصالحِ الجزاءَ في الدنيا بالحياة الطيّبة وبالحسنى يوم القيامة، فلهم أطيب الحياتين، وهم أحياء في الدارين.

ونظير هذا قوله تعالى: ﴿لِلَّذِينَ أَحْسَنُوا فِي هَذِهِ الدُّنْيَا حَسَنَةٌ وَلَدَارُ الْآخِرَةِ خَيْرٌ وَلَنِعْمَ دَارُ الْمُتَّقِينَ ٣٠﴾ [النحل: ٣٠].

ونظيرها قوله تعالى: ﴿وَأَنِ اسْتَغْفِرُوا رَبَّكُمْ ثُمَّ تُوبُوا إِلَيْهِ يُمَتِّعْكُمْ مَتَاعًا حَسَنًا إِلَى أَجَلٍ مُسَمًّى وَيُؤْتِ كُلَّ ذِي فَضْلٍ فَضْلَهُ﴾ [هود: ٣].

ففاز المتقون المحسنون بنعيم الدنيا والآخرة، وحصلوا على الحياة الطيبة في الدارين، فإنّ طيبَ النفس وسرورَ القلب وفرحَه ولذّتَه وابتهاجَه وطمأنينتَه وانشراحَه ونورَه وسعتَه وعافيتَه من الشهوات

  1. (١) س: "إلا صار".
  2. (٢) "قرّت به … بالله" ساقط من س.
280

المحرّمة والشبهات الباطلة = هو النعيم على الحقيقة. ولا نسبة لنعيم البدن إليه، فقد كان يقول بعض من ذاق هذه اللذّة: لو علم الملوك وأبناء الملوك ما نحن فيه لجالدونا عليه بالسيوف١.

وقال آخر: إنّه ليمرّ٢ بالقلب أوقات أقول فيها: إن كان أهل الجنّة في مثل هذا إنّهم لفي عيش طيب٣.

وقال آخر: إنّ في الدنيا جنّة، هي في الدنيا كالجنة في الآخرة، فمن دخلها دخل تلك الجنّة، ومن لم يدخلها لم يدخل جنّةَ الآخرة٤.

وقد أشار النبي ﷺ إلى هذه الجنّة بقوله: "إذا مررتم برياض الجنّة فارتَعوا". قالوا: وما رياض الجنّة؟ قال: "حِلَق الذكر"٥.

  1. (١) من كلام إبراهيم بن أدهم، وقد سبق في ص (١٨٦).
  2. (٢) لم يرد "إنه" في ص. وفيها وفي ل: "لتمرّ". وفي ز: "يمرّ".
  3. (٣) س: "لفي نعيم وعيش طيب"، وهو من كلام أبي سليمان المغربي، وقد سلف في ص (١٨٦).
  4. (٤) تقدم في ص (١٨٧) أنّ المؤلف نقل نحوه عن شيخ الإسلام في المدارج والوابل الصيب.
  5. (٥) أخرجه الترمذي (٣٥١٠) وأحمد ٣/ ١٥٠ (١٢٥٤٥) وأبو يعلى ٦/ ١٥٥ (٣٤٣٢) وابن عدي في الكامل (٦/ ١٣٦) وابن حبان في المجروحين (٢/ ٢٥٢) وابن عساكر (١٠/ ٣٨٦) وغيرهم من طريق محمَّد بن ثابت البناني عن أبيه عن أنس.
    قال الترمذي: "حسن غريب من هذا الوجه من حديث ثابت عن أنس".
    قلت: محمَّد بن ثابت ضعيف، وهذا الحديث من منكراته. ولهذا لم يعرف البخاري حديثه هذا وقال: عنده عجائب. وجعل ابن عدي وابن حبان هذا الحديث من منكراته.
    وروي من طريق آخر عن أنس، وهو ضعيف جدًا.
    وجاء من حديث ابن عمر وجابر وابن عباس، بألفاظ متقاربة، وكلها =
281

الفهرس

البحث في الكتاب

    فهارس الكتاب

      القراءة

      حجم الخط
      21
      الخط
      المظهر
      العرض
      التشكيل
      التمييز بالألوان
      الحواشي
      الصفحة
      الصفحة الحالية

      مفاتيح: ← التالية · → السابقة · T الفهرس · / البحث · N الحواشي