الداء والدواء

قالوا: ولهذا كانت معصية من ترك الحجَّ من مكة أو ترك١ الجمعةَ وهو جار المسجد أقبحَ عند الله من معصية من تركه من المكان البعيد. والواجب على هذا أكثر من الواجب على هذا. ولو كان مع رجل مائتا درهم فمنع٢ زكاتها، ومع آخر مائتا ألف ألف فمنع زكاتها لاستويا٣ في منع ما وجب على كلّ واحد منهما. ولا يبعد استواؤهما في العقوبة إذ كان كلّ منهما مصرًّا على منع زكاة ماله، قليلًا كان المال أو كثيرًا.

فصل

وكشف الغطاء عن هذه المسألة أن يقال:

إن الله ﷿ أرسل رسله، وأنزل كتبه، وخلق السموات والأرض، لِيُعرفَ، ويوحَّد، ويُعبَدَ، ويكون الدين كلّه له٤، والطاعة كلّها له، والدعوة له، كما قال تعالى: ﴿وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالْإِنْسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ ٥٦﴾ [الذاريات: ٥٦].

وقال تعالى: ﴿وَمَا خَلَقْنَا السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ وَمَا بَيْنَهُمَا إِلَّا بِالْحَقِّ﴾ [الحجر: ٨٥].

وقال تعالى ﴿اللَّهُ الَّذِي خَلَقَ سَبْعَ سَمَاوَاتٍ وَمِنَ الْأَرْضِ مِثْلَهُنَّ يَتَنَزَّلُ الْأَمْرُ بَيْنَهُنَّ لِتَعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ وَأَنَّ اللَّهَ قَدْ أَحَاطَ بِكُلِّ شَيْءٍ عِلْمًا ١٢﴾ [الطلاق: ١٢].

  1. (١) ما عدا ف: "وترك".
  2. (٢) ف: "ومنع".
  3. (٣) ز: "لا يستويا"، تحريف.
  4. (٤) ف، ز: "لله".
295

وقال تعالى: ﴿جَعَلَ اللَّهُ الْكَعْبَةَ الْبَيْتَ الْحَرَامَ قِيَامًا لِلنَّاسِ وَالشَّهْرَ الْحَرَامَ وَالْهَدْيَ وَالْقَلَائِدَ ذَلِكَ لِتَعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ يَعْلَمُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ وَأَنَّ اللَّهَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ ٩٧﴾ [المائدة: ٩٧].

فأخبر سبحانه أنّ القصد بالخلق والأمر أن يُعرَفَ بأسمائه وصفاته، ويُعبَد وحده لا يُشرَك به، وأن يقوم الناس بالقسط، وهو العدل الذي قامت به السموات والأرض، كما قال تعالى: ﴿لَقَدْ أَرْسَلْنَا رُسُلَنَا بِالْبَيِّنَاتِ وَأَنْزَلْنَا مَعَهُمُ الْكِتَابَ وَالْمِيزَانَ لِيَقُومَ النَّاسُ بِالْقِسْطِ﴾ [الحديد: ٢٥]، فأخبر أنّه أرسل رسله، وأنزل كتبه، ليقوم الناس بالقسط، وهو العدل١. ومن أعظم القسط: التوحيدُ، بل هو رأسُ العدل وقِوامُه، وإنّ الشرك لظلم عظيم. فالشرك٢ أظلَمُ الظلمِ، والتوحيد أعدَلُ العدلِ. فما كان أشدَّ منافاة لهذا المقصود فهو أكبر الكبائر، وتفاوتُها في درجاتها بحسب منافاتها له. وما كان أشدّ موافقةً لهذا المقصود٣ فهو أوجب الواجبات، وأفرض الطاعات.

فتأمَّلْ هذا الأصلَ حقَّ التأمّل، واعتبِرْ به تفاصيلَه تَعرِفْ به حكمة أحكمِ الحاكمين وأعلمِ العالمين فيما فرضه على عباده، وحرّمه عليهم؛ وتفاوُتَ مراتبِ الطاعات والمعاصي.

ولمّا٤ كان الشرك بالله منافيًا بالذات لهذا المقصود كان أكبر الكبائر على الإطلاق، وحرّم الله الجنّةَ على كل مشرك، وأباح دمَه

  1. (١) "الذي قامت به … العدل" ساقط من ز.
  2. (٢) "لظلم عظيم فالشرك" ساقط من ل.
  3. (٣) "فهو أكبر الكبائر … المقصود" ساقط من ف.
  4. (٤) "ولما" ساقط من س. وفي ز: "فلما". وفي ل: "فكلما"، وهو خطأ.
296

الفهرس

البحث في الكتاب

    فهارس الكتاب

      القراءة

      حجم الخط
      21
      الخط
      المظهر
      العرض
      التشكيل
      التمييز بالألوان
      الحواشي
      الصفحة
      الصفحة الحالية

      مفاتيح: ← التالية · → السابقة · T الفهرس · / البحث · N الحواشي