الداء والدواء

أشرِك بك وأنا أعلم، وأستغفرك لما لا أعلم".

فالرياء كلّه شرك. قال تعالى: ﴿قُلْ إِنَّمَا أَنَا بَشَرٌ مِثْلُكُمْ يُوحَى إِلَيَّ أَنَّمَا إِلَهُكُمْ إِلَهٌ وَاحِدٌ فَمَنْ كَانَ يَرْجُو لِقَاءَ رَبِّهِ فَلْيَعْمَلْ عَمَلًا صَالِحًا وَلَا يُشْرِكْ بِعِبَادَةِ رَبِّهِ أَحَدًا ١١٠﴾ [الكهف: ١١٠]. أي كما أنه إله واحد لا إله سواه، فكذلك ينبغي أن تكون العبادة له وحده. فكما١ تفرّد بالإلهية يجب أن يُفرد٢ بالعبودية. فالعمل الصالح هو الخالي من الرياء، المقيَّد بالسنّة.

وكان من دعاء عمر بن الخطاب ﵁: اللهم اجعل عملي كلَّه صالحًا، واجعله لوجهك خالصًا، ولا تجعل لأحد فيه شيئًا٣.

وهذا الشركُ في العبادة يُبطِل ثوابَ العمل، وقد يعاقَب عليه إذا كان العمل واجبًا، فإنّه يُنزِله منزلةَ من لم يعمله، فيعاقبَ على ترك الأمر.

فإنّ الله سبحانه إنما أمر بعبادته خالصة٤. قال تعالى: ﴿وَمَا أُمِرُوا إِلَّا لِيَعْبُدُوا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ حُنَفَاءَ﴾ [البينة: ٥]. فمن لم يخلص لله في عبادته لم يفعل ما أُمِرَ به، بل الذي أتى به شيء غير المأمور به٥، فلا يصحّ، ولا يقبل منه.

ويقول الله تعالى: "أنا أغنى الشركاء عن الشرك، فمن عمل "عملًا

  1. (١) س: "وكما".
  2. (٢) س: "يتفرد".
  3. (٣) أخرجه أحمد في الزهد (٦١٥) من طريق الحسن أن عمر كان يقول، فذكره.
    والحسن لم يسمع عن عمر. وأخرجه أبو الشيخ في طبقات المحدثين بأصبهان (١٠١٨) من طريق آخر.
  4. (٤) س: "خالصًا".
  5. (٥) ز: "شيئًا غير الذي أمر به".
303

أشرك معي١ فيه غيري، فهو للذي أشرك به، وأنا منه بريء"٢.

وهذا الشرك ينقسم إلى مغفور وغير مغفور، وأكبر وأصغر.

والنوع الأول ينقسم إلى كبير وأكبر، وليس شيء منه مغفورًا٣. فمنه الشرك بالله في المحبة والتعظيم أن يحبّ مخلوقًا كما يحبّ الله، فهذا من الشرك الذي لا يغفره الله. وهو الشرك الذي قال سبحانه فيه٤:) ﴿وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَتَّخِذُ مِنْ دُونِ اللَّهِ أَنْدَادًا يُحِبُّونَهُمْ كَحُبِّ اللَّهِ وَالَّذِينَ آمَنُوا أَشَدُّ حُبًّا لِلَّهِ﴾ [البقرة: ١٦٥].

وقال أصحاب هذا الشرك لآلهتهم وقد جمعتهم٥ الجحيم: ﴿تَاللَّهِ إِنْ كُنَّا لَفِي ضَلَالٍ مُبِينٍ ٩٧ إِذْ نُسَوِّيكُمْ بِرَبِّ الْعَالَمِينَ ٩٨﴾ [الشعراء: ٩٧ - ٩٨].

ومعلوم أنهم ما سوَّوهم به سبحانه في الخلق والرزق والإماتة والإحياء والملك والقدرة، وإنّما سوّوهم به٦ في الحبّ والتأله والخضوع لهم والتذلّل. وهذا غاية الظلم والجهل. فكيف يُسوَّى الترابُ بربّ الأرباب؟ وكيف يسوّى العَبيد٧ بمالك الرِّقاب؟ وكيف يسوّى الفقيرُ بالذات، الضعيفُ بالذات، العاجزُ

  1. (١) "معي" ساقط من ز.
  2. (٢) أخرجه مسلم في الزهد والرقائق، باب من أشرك في عمله غير الله (٢٩٨٥) من حديث أبي هريرة ﵁.
  3. (٣) ل، ز: "مغفور".
  4. (٤) س: "قال الله … ". ل، ز: "قال فيه سبحانه".
  5. (٥) سقطت الواو من س. وفي ف: "وقد جمعهم".
  6. (٦) "به" ساقط من س.
  7. (٧) ز: "العبد".
304

الفهرس

البحث في الكتاب

    فهارس الكتاب

      القراءة

      حجم الخط
      21
      الخط
      المظهر
      العرض
      التشكيل
      التمييز بالألوان
      الحواشي
      الصفحة
      الصفحة الحالية

      مفاتيح: ← التالية · → السابقة · T الفهرس · / البحث · N الحواشي