أشرك معي١ فيه غيري، فهو للذي أشرك به، وأنا منه بريء"٢.
وهذا الشرك ينقسم إلى مغفور وغير مغفور، وأكبر وأصغر.
والنوع الأول ينقسم إلى كبير وأكبر، وليس شيء منه مغفورًا٣. فمنه الشرك بالله في المحبة والتعظيم أن يحبّ مخلوقًا كما يحبّ الله، فهذا من الشرك الذي لا يغفره الله. وهو الشرك الذي قال سبحانه فيه٤:) ﴿وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَتَّخِذُ مِنْ دُونِ اللَّهِ أَنْدَادًا يُحِبُّونَهُمْ كَحُبِّ اللَّهِ وَالَّذِينَ آمَنُوا أَشَدُّ حُبًّا لِلَّهِ﴾[البقرة: ١٦٥].
وقال أصحاب هذا الشرك لآلهتهم وقد جمعتهم٥ الجحيم: ﴿تَاللَّهِ إِنْ كُنَّا لَفِي ضَلَالٍ مُبِينٍ ٩٧ إِذْ نُسَوِّيكُمْ بِرَبِّ الْعَالَمِينَ ٩٨﴾[الشعراء: ٩٧ - ٩٨].
ومعلوم أنهم ما سوَّوهم به سبحانه في الخلق والرزق والإماتة والإحياء والملك والقدرة، وإنّما سوّوهم به٦ في الحبّ والتأله والخضوع لهم والتذلّل. وهذا غاية الظلم والجهل. فكيف يُسوَّى الترابُ بربّ الأرباب؟ وكيف يسوّى العَبيد٧ بمالك الرِّقاب؟ وكيف يسوّى الفقيرُ بالذات، الضعيفُ بالذات، العاجزُ
(١) "معي" ساقط من ز.
(٢) أخرجه مسلم في الزهد والرقائق، باب من أشرك في عمله غير الله (٢٩٨٥) من حديث أبي هريرة ﵁.
(٣) ل، ز: "مغفور".
(٤) س: "قال الله … ". ل، ز: "قال فيه سبحانه".
(٥) سقطت الواو من س. وفي ف: "وقد جمعهم".
(٦) "به" ساقط من س.
(٧) ز: "العبد".
بالذات١، المحتاجُ بالذات، الذي ليس له من ذاته إلا العدم = بالغنيّ بالذات، القادر بالذات، الذي غناه وقدرته وملكه٢ وجوده وإحسانه وعلمه ورحمته وكماله المطلق التامّ من لوازم ذاته؟ فأيّ ظلم أقبحُ من هذا؟ وأيّ حكم أشدّ جورًا منه حيث عَدَلَ من لا عَدْلَ له بخلقه؛ كما قال تعالى: ﴿الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ وَجَعَلَ الظُّلُمَاتِ وَالنُّورَ ثُمَّ الَّذِينَ كَفَرُوا بِرَبِّهِمْ يَعْدِلُونَ ١﴾[الأنعام: ١]، فعدَل المشركُ مَن خلق السموات والأرض وجعل الظلمات والنور بمن لا يملك لنفسه ولا لغيره مثقال ذرّة في السموات ولا في الأرض. فيا لك من عَدْلٍ تضمّنَ أكبرَ الظلم وأقبحه٣!
فصل٤
ويتبع هذا الشرك٥ الشركُ به سبحانه في الأفعال والأقوال والإرادات والنيات.
فالشرك في الأفعال كالسجود لغيره، والطواف بغير بيته، وحلق الرأس عبودية وخضوعًا لغيره، وتقبيل الأحجار غير الحجر الأسود الذي هو يمينه في الأرض، و٦ تقبيل القبور واستلامها والسجود لها.
(١) "الضعيف … بالذات" ساقط من ز.
(٢) ف: "ملكه وقدرته".
(٣) العبارة في ز محرّفة.
(٤) هذا الفصل نقله المقريزي بتصرّف في رسالته "تجريد التوحيد المفيد" (٥٠ - ٥٩).