وقال: "إنّ من كان قبلكم كانوا إذا مات فيهم الرجل الصالح بنوا على قبره مسجدًا، وصوّروا فيه تلك الصورة١. أولئك شِرار الخلق عند الله يوم القيامة"٢.
فهذا حال من سجد لله في مسجد على قبر، فكيف حال٣ من سجد للقبر نفسِه!
وقد قال ﷺ: "اللهمّ لا تجعل قبري وثنًا يُعبَد"٤.
وقد حمى٥ النبي- ﷺ جانبَ التوحيد أعظم حماية، حتى نهى عن صلاة التطوع لله سبحانه عند طلوع الشمس وعند غروبها٦، لئلّا يكون
(١) ف: "الصور".
(٢) من حديث عائشة ﵂. أخرجه البخاري في كتاب الصلاة، باب الصلاة في البيعة (٤٣٤) وغيره؛ ومسلم في المساجد، باب النهي عن بناء المساجد على القبور (٥٢٨).
(٣) "حال" ساقط من ف.
(٤) أخرجه أحمد ٢/ ٢٤٦ (٧٣٥٨) والبخاري في تاريخه (٣/ ٤٧) وابن سعد (٢/ ٢١٣) وأبو نعيم في الحلية (٧/ ٣١٧) وغيرهم من طريق سفيان بن عيينة عن حمزة بن الغيرة عن سهيل عن أبيه عن أبي هريرة مرفوعًا فذكره. قلت: حمزة قال فيه ابن معين: "ليس به بأس". ولم نجد له متابعًا عن سهيل. وقد عدّه الدارقطني وأبو نعيم من غرائب حمزة. انظر أطراف الغرائب (٥/ ٣٤٧). وقد ثبت عن عمر بن الخطاب أنه قال: "اللهم لا تجعل قبري وثنا". انظر علل الدارقطني (٢/ ٢٢٠ - ٢٢١).
(٥) "ﷺ … حمى" ساقط من ف.
(٦) كما في حديث ابن عمر ﵄. أخرجه البخاري في مواقيت الصلاة (٥٨٢) ومسلم في صلاة المسافرين (٨٢٨).
ذريعةً إلى التشبّه بعُبّاد الشمس الذين يسجدون لها في هاتين الحالتين، وسدّ الذريعةَ بأن منع من الصلاة بعد العصر والصبح١ لاتصال هذين الوقتين بالوقتين اللذين يسجد المشركون فيهما للشمس.
وأما السجود لغير الله فقال: "لا ينبغي لأحد أن يسجد لأحد إلا لله"٢.
"ولا ينبغي" في كلام الله ورسوله للذي هو في غاية الامتناع شرعًا٣، كقوله تعالى: ﴿وَمَا يَنْبَغِي لِلرَّحْمَنِ أَنْ يَتَّخِذَ وَلَدًا ٩٢﴾[مريم: ٩٢]، وقوله: ﴿وَمَا عَلَّمْنَاهُ الشِّعْرَ وَمَا يَنْبَغِي لَهُ﴾[يس: ٦٩]، وقوله: ﴿وَمَا تَنَزَّلَتْ بِهِ
(١) كما في حديث أبي سعيد الخدري ﵁ وغيره في صحيح البخاري (٥٨١، ٥٨٤، ٥٨٦) وصحيح مسلم (٨٢٧،٨٢٦،٨٢٥).
(٢) "لأحد أن … لله " ساقط من ل (ص). والحديث أخرجه ابن حبان (٤١٦٢) وابن أبي الدنيا في العيال (٥٣٤) من طريق أبي أسامة والنضر بن إسماعيل البجلي كلاهما عن محمد بن عمرو عن أبي سلمة عن أبي هريرة في قصة الجملين. وفيه: "فقال من معه: سجد له (أي للنبي ﷺ) فقال رسول الله ﷺ: ما ينبغي لأحد أن يسجد لأحد. ولو كان أحد ينبغي أن يسجد لأحد لأمرتُ المرأة أن تسجد لزوجها لِما عظّم الله عليها من حقّه" هذا لفظ ابن حبان وسنده حسن. والحديث أخرجه مختصرًا: الترمذي (١١٥٩) والبيهقي (٧/ ٢٩١) من طريق النضر بن شميل عن محمَّد بن عمرويه. قال الترمذي: "حديث أبي هريرة حديث حسن غريب من هذا الوجه؛ من حديث محمَّد بن عمرو عن أبي سلمة عن أبي هريرة".
(٣) لم يرد "شرعًا" في ف، ز. وقال المؤلف في إعلام الموقعين (١/ ٤٣): "وقد اطرد في كلام الله ورسوله استعمال "لا ينبغي" في المحظور شرعًا أو قدرًا في المستحيل الممتنع". وانظر بدائع الفوائد (١٣٠٧).