الداء والدواء

يوجب تعلُّقَ الدعاء١ والخوف والرجاء والتوكل به وحده. فمن علّق ذلك بمخلوق فقد شبّهه بالخالق٢، وجعل ما لا يملك لنفسه ضرًّا٣ ولا نفعًا ولاموتًا ولا حياةً ولا نشورًا، فضلًا عن غيره، شبيهًا لمن له الأمر كلُّه. فأزِمّةُ الأمور كلّها بيديه٤، ومرجعها إليه٥، فما شاء كان،

وما لم يشأ لم يكن، لا مانع لما أعطى، ولا معطي لما منع. بل إذا فتح لعبده بابَ رحمة لم يمسكها أحد، وإن أمسكها عنه لم يرسلها إليه أحد. فمن أقبح التشبيه تشبيهُ هذا العاجز الفقير بالذات بالقادر الغنيّ بالذات.

ومن خصائص الإلهية: الكمالُ المطلقُ من جميع الوجوه، الذي لا نقص٦ فيه بوجه من الوجوه. وذلك يوجب أن تكون العبادة كلّها له وحده، والتعظيمُ والإجلال والخشية والدعاء والرجاء والإنابة٧ والتوبة والتوكّل والاستعانة وغاية الذل مع غاية الحبّ = كلُّ ذلك يجب عقلًا وشرعًا وفطرةً أن يكون له وحده، ويُمنَع عقلًا وشرعًا وفطرةً أن يكون لغيره. فمن جعل شيئًا٨ من ذلك لغيره فقد شبّه ذلك الغيرَ بمن لا شبيهَ له، ولا مثل له٩، ولا ندَّ له، وذلك أقبح التشبيه وأبطلُه. ولشدّةِ قبحه

  1. (١) ف: "تعليق الدعاء".
  2. (٢) س: "بالخلق"، سهو.
  3. (٣) ف: "لا ضرًّا".
  4. (٤) ف، ز: "وأزمّة … ". وفي س: "بيده سبحانه".
  5. (٥) "ومرجعها إليه" ساقط من ف.
  6. (٦) ز: "لا يقضى"، تحريف.
  7. (٧) ز: "الإجابة"، تحريف.
  8. (٨) س: "الشيء".
  9. (٩) زاد بعده في س: "ولا ضدّ له".
314

وتضمّنِه غايةَ الظلم أخبر سبحانه عبادَه أنّه لا يغفره، مع أنّه كتب على نفسه الرحمة.

ومن خصائص الإلهية: العبوديةُ التي قامت على ساقين١ لا قِوَام لها بدونهما: غايةُ الحبّ مع غايةِ الذلّ. هذا تمام العبودية٢، وتفاوتُ منازلِ الخلق فيها بحسب تفاوتهم في هذين الأصلين. فمن أعطى حبَّه وذلَّه وخضوعه لغير الله فقد شبّهه به في خالص حقّه، وهذا من المحال أن تجيء به شريعة من الشرائع، وقبحُه مستقِرّ في كلّ فطرة وعقل، ولكن غيّرت الشياطين فِطَرَ أكثر الخلق وعقولَهم، وأفسدتها عليهم، واجتالتهم٣ عنها. ومضى على الفطرة الأولى من سبقت له من الله الحسنى، فأرسل إليهم رُسُلَه، وأنزل عليهم كتبَه بما يوافق فِطرهم وعقولهم، فازدادوا بذلك نورًا على نور، ﴿يَهْدِي اللَّهُ لِنُورِهِ مَنْ يَشَاءُ﴾ [النور: ٣٥].

إذا عرف هذا فمن خصائص الإلهية: السجود، فمن سجد٤ لغيره فقد شبّه المخلوقَ به.

ومنها: التوكّل، فمن توكّل على غيره فقد شبّهه به.

  1. (١) س: "الساقين".
  2. (٢) بيّن المؤلف حقيقة العبودية هذه في مواضع كثيرة من كتبه منها: الفوائد (١٨٣)، طريق الهجرتين (٥١١، ٦٤٢)، مدارج السالكين (١/ ٩٢،٧٤)، (٣/ ٤٤١).
  3. (٣) ف: "اجتاحتهم".
  4. (٤) س: "يسجد".
315

الفهرس

البحث في الكتاب

    فهارس الكتاب

      القراءة

      حجم الخط
      21
      الخط
      المظهر
      العرض
      التشكيل
      التمييز بالألوان
      الحواشي
      الصفحة
      الصفحة الحالية

      مفاتيح: ← التالية · → السابقة · T الفهرس · / البحث · N الحواشي