وتضمّنِه غايةَ الظلم أخبر سبحانه عبادَه أنّه لا يغفره، مع أنّه كتب على نفسه الرحمة.
ومن خصائص الإلهية: العبوديةُ التي قامت على ساقين١ لا قِوَام لها بدونهما: غايةُ الحبّ مع غايةِ الذلّ. هذا تمام العبودية٢، وتفاوتُ منازلِ الخلق فيها بحسب تفاوتهم في هذين الأصلين. فمن أعطى حبَّه وذلَّه وخضوعه لغير الله فقد شبّهه به في خالص حقّه، وهذا من المحال أن تجيء به شريعة من الشرائع، وقبحُه مستقِرّ في كلّ فطرة وعقل، ولكن غيّرت الشياطين فِطَرَ أكثر الخلق وعقولَهم، وأفسدتها عليهم، واجتالتهم٣ عنها. ومضى على الفطرة الأولى من سبقت له من الله الحسنى، فأرسل إليهم رُسُلَه، وأنزل عليهم كتبَه بما يوافق فِطرهم وعقولهم، فازدادوا بذلك نورًا على نور، ﴿يَهْدِي اللَّهُ لِنُورِهِ مَنْ يَشَاءُ﴾[النور: ٣٥].
إذا عرف هذا فمن خصائص الإلهية: السجود، فمن سجد٤ لغيره فقد شبّه المخلوقَ به.
ومنها: التوكّل، فمن توكّل على غيره فقد شبّهه به.
(١) س: "الساقين".
(٢) بيّن المؤلف حقيقة العبودية هذه في مواضع كثيرة من كتبه منها: الفوائد (١٨٣)، طريق الهجرتين (٥١١، ٦٤٢)، مدارج السالكين (١/ ٩٢،٧٤)، (٣/ ٤٤١).
(٣) ف: "اجتاحتهم".
(٤) س: "يسجد".
ومنها: التوبة، فمن تاب لغيره فقد شبهه به١.
ومنها: الحلف باسمه تعظيمًا وإجلالًا له٢، فمن حلف بغيره فقد شبّهه به.
هذا في جانب التشبيه.
وأمّا في جانب التشبّه به، فمن تعاظمَ وتكبَّر، ودعا الناس إلى إطرائه في المدح، والتعظيم، والخضوع، والرجاء، وتعليق القلب به خوفًا ورجاءً والتجاءً واستعانةً به، فقد تشبّه بالله، ونازعه ربوبيته٣
وإلهيّتَه، وهو حقيق بأن يُهينه اللهُ غايةَ الهوان، ويُذِلَّه غاية الذلّ، ويجعله تحت أقدام خلقه. وفي الصحيح عنه ﷺ قال: "يقول الله ﷿: العظمة إزاري، والكبرياء ردائي، فمن نازعني واحدًا٤ منهما عذّبتُه"٥.
وإذا كان المصوّر الذي يصنع الصورة٦ بيده من أشدّ الناس عذابًا يوم القيامة لتشبّهه٧ بالله في مجرّد الصنعة، فما الظنّ بالتشبّه بالله في الربوبية والإلهية؟ كما قال ﷺ: "أشدُّ الناس عذابًا يوم القيامة
(١) "به" ساقط من س.
(٢) لم يرد "له" في س، ل.
(٣) ل: "في ربوبيته".
(٤) ف، ز: "في واحد".
(٥) من حديث أبي سعيد الخدري وأبي هريرة ﵄. أخرجه مسلم في البر والصلة، باب تحريم الكبر (٢٦٢٠).