وفي لفظ: "أغيَظُ رجلٍ على الله رجلٌ تسمّى بملِك الأملاك"٢.
فهذا مقت الله وغضبه على من تشبّه به في الاسم الذي لا ينبغي إلا له. فهو سبحانه ملِكُ الملوك وحده٣، وهو حاكم الحكام وحده، فهو الذي يحكم على الحكام كلهم، ويقضي عليهم كلّهم، لا غيره.
فصل
إذا تبيّن هذا، فههنا أصل عظيم يكشف سرّ المسألة، وهو أنّ أعظمَ الذنوب عند الله إساءةُ الظنّ به٤، فإنّ المسيء به الظنَّ قد ظنّ به خلافَ كماله المقدّس، وظنّ٥ به ما يناقض٦ أسماءه وصفاته. ولهذا توعّد الله سبحانه الظانّين به ظنّ السوء بما لم يتوعّد به غيرَهم، كما قال تعالى:
﴿عَلَيْهِمْ دَائِرَةُ السَّوْءِ وَغَضِبَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ وَلَعَنَهُمْ وَأَعَدَّ لَهُمْ جَهَنَّمَ وَسَاءَتْ مَصِيرًا ٦﴾[الفتح: ٦]. وقال تعالى لمن أنكر صفة من صفاته: ﴿وَذَلِكُمْ ظَنُّكُمُ الَّذِي ظَنَنْتُمْ بِرَبِّكُمْ أَرْدَاكُمْ فَأَصْبَحْتُمْ مِنَ الْخَاسِرِينَ ٢٣﴾[فصلت: ٢٣].
(١) "ولا ملك إلا الله" لم يرد في س. والحديث أخرجه البخاري في الأدب، باب أبغض الأسماء إلى الله (٦٢٠٥، ٦٢٠٦)، ومسلم في الآداب، باب تحريم التسمّي بملك الأملاك وبملك الملوك (٢١٤٣) من حديث أبي هريرة ﵁، ولفظه فيهما: "تسمّى ملك الأملاك"، وجاء "شاهان شاه" تفسيرًا له من كلام سفيان. والأخنع: الأوضع والأحقر.
(٢) صحيح مسلم، الحديث السابق (٢١٤٣).
(٣) زاد في س: "لا ملك إلا الله".
(٤) وانظر إغاثة اللهفان (١/ ١٢٩).
(٥) ل: "فظن".
(٦) س: "يخالف"، وفي حاشيتها: "خ يناقض".
وقال تعالى حاكيًا١ عن خليله إبراهيم ﷺ٢ إنّه قال لقومه: ﴿مَاذَا تَعْبُدُونَ ٨٥ أَئِفْكًا آلِهَةً دُونَ اللَّهِ تُرِيدُونَ ٨٦ فَمَا ظَنُّكُمْ بِرَبِّ الْعَالَمِينَ ٨٧﴾[الصافات: ٨٥ - ٨٧]. أي فما ظنكم أن يجازيكم به إذا لقيتموه، وقد عبدتم غيرَه؟ وماذا ظننتم به حتى٣ عبدتم معه غيرَه؟ وما ظننتم بأسمائه وصفاته وربوبيته من النقص حتى أحوجكم ذلك٤ إلى عبودية غيره؟
فلو ظننتم به ما هو أهله من أنّه بكل شيء عليم، وعلى كلّ شيء قدير، وأنّه غنيّ عن كلّ ما سواه، وكلُّ ما سواه فقيرٌ إليه، وأنّه قائم بالقسط على خلقه٥، وأنه المتفرّد٦ بتدبير خلقه، لا يشرَكه فيه غيرُه٧، والعالم بتفاصيل الأمور، فلا تخفى٨ عليه خافية من خلقه، والكافي لهم وحده فلا يحتاج إلى معين، والرحمن بذاته فلا يحتاج في رحمته إلى من يستعطفه.
وهذا بخلاف الملوك وغيرهم من الرؤساء، فإنّهم محتاجون إلى من يعرّفهم أحوالَ الرعية وحوائجَهم، وإلى من يُعينهم على قضاء
(١) "حاكيًا" من ف وحدها.
(٢) ل: "عليه السلام"، والمثبت من س.
(٣) "حتى" من ف، ونحوه في إغاثة اللهفان (١/ ١٢٩). س: "وما ظننتم حين". ولم يرد "به" في ز أيضًا. وقد سقط من ل: "وقد عبدتم ..، حين".
(٤) س: "ذلكم". وفي ل: "أخرجكم ذلك".
(٥) "وأنّه غني … على خلقه" ساقط من س، كما سقط من ل: "وكل ما سواه".