الداء والدواء

حوائجهم، وإلى من يسترحمهم ويستعطفهم١ بالشفاعة، فاحتاجوا إلى الوسائط ضرورةً لحاجتهم، وعجزهم، وضعفهم، وقصور علمهم.

فأما القادرُ على كلّ شيء، الغنيُّ بذاته عن كلّ شيء، العالمُ بكل شيء، الرحمنُ الرحيمُ الذي وسعت رحمتُه كلَّ شيء فإدخالُ الوسائط بينه وبيّن خلقه تنقُّصٌ٢ بحقّ ربوبيته، وإلهيته، وتوحيده٣؛ وظن به ظنَّ السَّوْء. وهذا يستحيل أن يشرعه لعباده، ويمتنع في العقول والفِطَر، وقُبحُه مستقِرّ في العقول السليمة فوقَ كلّ قبيح.

ويوضّح هذا أنّ العابد معظِّم لمعبوده، متألِّه له، خاضع ذليل له.

والربّ تعالى وحده هو الذي يستحقّ كمال التعظيم والإجلال والتألّه والخضوع والذلّ. وهذا خالص حقّه، فمن أقبح الظلم أن يُعطَى حقُّه٤ لغيره، أو يُشرَك بينه وبينه فيه، ولا سيّما إذا كان الذي جُعِلَ شريكَه في حقّه هو عبده ومملوكه، كما قال تعالى: ﴿ضَرَبَ لَكُمْ مَثَلًا مِنْ أَنْفُسِكُمْ هَلْ لَكُمْ مِنْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ مِنْ شُرَكَاءَ فِي مَا رَزَقْنَاكُمْ فَأَنْتُمْ فِيهِ سَوَاءٌ تَخَافُونَهُمْ كَخِيفَتِكُمْ أَنْفُسَكُمْ﴾ [الروم: ٢٨].

أي إذا كان أحدكم يأنف أن يكون مملوكُه شريكَه في رزقه، فكيف تجعلون لي من عبيدي شركاء فيما أنا منفرد٥ به، وهو الإلهية التي لا تنبغي لغيري، ولا تصلح لسواي؟ فمن زعم ذلك فما قدَرني حقَّ قدري،

  1. (١) "يسترحمهم و" ساقط من ز.
  2. (٢) س: "ينقص"، تصحيف.
  3. (٣) ز: "توحّده"، وسقط منها: "وإلهيته".
  4. (٤) "فمن أقبح .. حقّه" ساقط من ل.
  5. (٥) س: "متفرد".
320

ولا عظّمني حقّ تعظيمي، ولا أفردني بما أنا منفرد١ به وحدي دون خلقى٢.

فما قدر اللهَ حقّ قدره مَن عبد معه غيرَه، كما قال تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ ضُرِبَ مَثَلٌ فَاسْتَمِعُوا لَهُ إِنَّ الَّذِينَ تَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ لَنْ يَخْلُقُوا ذُبَابًا وَلَوِ اجْتَمَعُوا لَهُ وَإِنْ يَسْلُبْهُمُ الذُّبَابُ شَيْئًا لَا يَسْتَنْقِذُوهُ مِنْهُ ضَعُفَ الطَّالِبُ وَالْمَطْلُوبُ ٧٣ مَا قَدَرُوا اللَّهَ حَقَّ قَدْرِهِ إِنَّ اللَّهَ لَقَوِيٌّ عَزِيزٌ ٧٤﴾ [الحج: ٧٣ - ٧٤].

فما قدر اللهَ حقَّ قدره من عبد معه مَن لا يقدر على خلق أضعفِ حيوانٍ وأصغره، وإنْ سلبه٣ الذبابُ شيئًا مما عليه لم يقدر على استنقاذ منه٤.

وقال تعالى: (﴿وَمَا قَدَرُوا اللَّهَ حَقَّ قَدْرِهِ وَالْأَرْضُ جَمِيعًا قَبْضَتُهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَالسَّمَاوَاتُ مَطْوِيَّاتٌ بِيَمِينِهِ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى عَمَّا يُشْرِكُونَ ٦٧﴾ [الزمر: ٦٧]. فما قدر مَن هذا شأنُه وعظمتُه حقَّ قدره مَن أشرك معه في عبادته من ليس له شيء من ذلك البتة، بل هو أعجز شيء وأضعفه! فما قدر القويَّ العزيزَ حقَّ قدره من أشرك معه الضعيف الذليل! وكذلك ما قدره حقَّ قدره من قال: إنّه لم يرسل إلى خلقه رسولًا ولا أنزل كتابًا، بل نسبه إلى ما لا يليق به ولا يحسن

  1. (١) س: "متفرد".
  2. (٢) وانظر إعلام الموقعين (١/ ١٥٨).
  3. (٣) س: "سلب". ز: "يسلبه".
  4. (٤) وانظر إعلام الموقعين (١/ ١٨١).
321

الفهرس

البحث في الكتاب

    فهارس الكتاب

      القراءة

      حجم الخط
      21
      الخط
      المظهر
      العرض
      التشكيل
      التمييز بالألوان
      الحواشي
      الصفحة
      الصفحة الحالية

      مفاتيح: ← التالية · → السابقة · T الفهرس · / البحث · N الحواشي