ولا عظّمني حقّ تعظيمي، ولا أفردني بما أنا منفرد١ به وحدي دون خلقى٢.
فما قدر اللهَ حقّ قدره مَن عبد معه غيرَه، كما قال تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ ضُرِبَ مَثَلٌ فَاسْتَمِعُوا لَهُ إِنَّ الَّذِينَ تَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ لَنْ يَخْلُقُوا ذُبَابًا وَلَوِ اجْتَمَعُوا لَهُ وَإِنْ يَسْلُبْهُمُ الذُّبَابُ شَيْئًا لَا يَسْتَنْقِذُوهُ مِنْهُ ضَعُفَ الطَّالِبُ وَالْمَطْلُوبُ ٧٣ مَا قَدَرُوا اللَّهَ حَقَّ قَدْرِهِ إِنَّ اللَّهَ لَقَوِيٌّ عَزِيزٌ ٧٤﴾[الحج: ٧٣ - ٧٤].
فما قدر اللهَ حقَّ قدره من عبد معه مَن لا يقدر على خلق أضعفِ حيوانٍ وأصغره، وإنْ سلبه٣ الذبابُ شيئًا مما عليه لم يقدر على استنقاذ منه٤.
وقال تعالى: (﴿وَمَا قَدَرُوا اللَّهَ حَقَّ قَدْرِهِ وَالْأَرْضُ جَمِيعًا قَبْضَتُهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَالسَّمَاوَاتُ مَطْوِيَّاتٌ بِيَمِينِهِ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى عَمَّا يُشْرِكُونَ ٦٧﴾[الزمر: ٦٧]. فما قدر مَن هذا شأنُه وعظمتُه حقَّ قدره مَن أشرك معه في عبادته من ليس له شيء من ذلك البتة، بل هو أعجز شيء وأضعفه! فما قدر القويَّ العزيزَ حقَّ قدره من أشرك معه الضعيف الذليل! وكذلك ما قدره حقَّ قدره من قال: إنّه لم يرسل إلى خلقه رسولًا ولا أنزل كتابًا، بل نسبه إلى ما لا يليق به ولا يحسن
(١) س: "متفرد".
(٢) وانظر إعلام الموقعين (١/ ١٥٨).
(٣) س: "سلب". ز: "يسلبه".
(٤) وانظر إعلام الموقعين (١/ ١٨١).
منه١، من إهمالِ خلقه، وتضييعهم، وتركِهم سدًى، وخلقِهم باطلًا عبثًا.
ولا قدَره حقَّ قدره مَن نفى حقائق٢ أسمائه الحسنى وصفاته العلى، فنفى سمعه وبصره، وإرادته واختياره، وعلوَّه فوق خلقه، وكلامه، وتكليمه لمن شاء من خلقه بما يريد٣؛ أو نفى عموم قدرته
وتعلّقها بأفعال عباده من طاعاتهم٤ ومعاصيهم، فأخرجها عن قدرته ومشيئته وخلقه، وجعلهم يخلقون لأنفسهم ما يشاؤون بدون مشيئة الربّ؛ فيكون في ملكه ما لا يشاء، ويشاء ما لا يكون! تعالى الله٥ عن قول أشباه المجوس علوًّا كبيرًا.
وكذلك ما قدره حقَّ قدره من قال: إنّه يعاقب عبده على ما لا يفعله العبد، ولا له عليه قدرة، ولا تأثير له فيه البتة، بل هو نفس فعل الرب ﷻ، فيعاقب عبدَه على فعله، وهو٦ سبحانه الذي جبر العبدَ عليه، وجبرُه على الفعل أعظمُ من إكراه المخلوق للمخلوق. وإذا كان من المستمرّ في الفِطَر والعقول أنّ السيّد لو أكره عبدَه على فعل أو ألجأه إليه ثم عاقبه عليه لكان قبيحًا، فأعدل العادلين وأحكم الحاكمين وأرحم الراحمين كيف يُجبر العبدَ على فعل لا يكون للعبد فيه صنع ولا تأثير، ولا هو واقعٌ بإرادته، بل ولا هو فعله البتة، ثمّ يعاقب عليه عقوبة الأبد؟