منه١، من إهمالِ خلقه، وتضييعهم، وتركِهم سدًى، وخلقِهم باطلًا عبثًا.
ولا قدَره حقَّ قدره مَن نفى حقائق٢ أسمائه الحسنى وصفاته العلى، فنفى سمعه وبصره، وإرادته واختياره، وعلوَّه فوق خلقه، وكلامه، وتكليمه لمن شاء من خلقه بما يريد٣؛ أو نفى عموم قدرته
وتعلّقها بأفعال عباده من طاعاتهم٤ ومعاصيهم، فأخرجها عن قدرته ومشيئته وخلقه، وجعلهم يخلقون لأنفسهم ما يشاؤون بدون مشيئة الربّ؛ فيكون في ملكه ما لا يشاء، ويشاء ما لا يكون! تعالى الله٥ عن قول أشباه المجوس علوًّا كبيرًا.
وكذلك ما قدره حقَّ قدره من قال: إنّه يعاقب عبده على ما لا يفعله العبد، ولا له عليه قدرة، ولا تأثير له فيه البتة، بل هو نفس فعل الرب ﷻ، فيعاقب عبدَه على فعله، وهو٦ سبحانه الذي جبر العبدَ عليه، وجبرُه على الفعل أعظمُ من إكراه المخلوق للمخلوق. وإذا كان من المستمرّ في الفِطَر والعقول أنّ السيّد لو أكره عبدَه على فعل أو ألجأه إليه ثم عاقبه عليه لكان قبيحًا، فأعدل العادلين وأحكم الحاكمين وأرحم الراحمين كيف يُجبر العبدَ على فعل لا يكون للعبد فيه صنع ولا تأثير، ولا هو واقعٌ بإرادته، بل ولا هو فعله البتة، ثمّ يعاقب عليه عقوبة الأبد؟
(١) "منه" ساقط من س.
(٢) ف: "من حقائق".
(٣) ز: "يريده".
(٤) ف: "طاعتهم".
(٥) لم يرد لفظ الجلالة في ز.
(٦) ما عدا س: "فعله هو".
تعالى الله عن ذلك علوًّا كبيرًا. وقول هؤلاء شرّ من قول أشباه المجوس، والطائفتان ما قدروا الله حقّ قدره.
وكذلك ما قدره١ حقَّ قدره من لم يصُنْه عن بئر٢ ولا حُشّ ولا مكان يُرغب عن ذكره، بل جعله في كلّ مكان؛ وصانه عن عرشه أن يكون مستويًا عليه، يصعد إليه٣ الكلم الطيّب والعمل الصالح٤، وتعرج الملائكة والروح إليه وتنزل من عنده، ويدبّر الأمر من السماء إلى الأرض ثم يعرج إليه٥. فصانه عن استوائه على سرير الملك، ثم جعله في كلّ مكان يأنف الإنسان بل غيره من الحيوان أن يكون فيه.
وما قدره٦ حقَّ قدره مَن نفى حقيقة محبته ورحمته ورأفته ورضاه وغضبه ومقته، ولا مَن نفى حقيقةَ حكمته التي هي الغايات المحمودة المقصودة بفعله، ولا مَن نفى حقيقة فعله ولم يجعل له فعلًا اختياريًّا يقوم به، بل أفعاله مفعولات منفصلة عنه، فنفى حقيقة مجيئه٧ وإتيانه، واستوائه على عرشه، وتكليمه موسى من جانب الطور، ومجيئه يوم القيامة لفصل القضاء بين عباده بنفسه، إلى غير ذلك من أفعاله وأوصاف كماله التي نفَوها، وزعموا أنّهم بنفيها قد قدروه حقَّ قدره.
(١) ز: "قدر الله". وقد سقط من ل: "وكذلك ما قدره حق قدره".
(٢) ف: "نتن". وقال المؤلف في نونيته (٣١٥): والقوم ما صانوه عن بئر ولا … قبر ولا حُشٍّ ولا أعطانِ