تعالى الله عن ذلك علوًّا كبيرًا. وقول هؤلاء شرّ من قول أشباه المجوس، والطائفتان ما قدروا الله حقّ قدره.
وكذلك ما قدره١ حقَّ قدره من لم يصُنْه عن بئر٢ ولا حُشّ ولا مكان يُرغب عن ذكره، بل جعله في كلّ مكان؛ وصانه عن عرشه أن يكون مستويًا عليه، يصعد إليه٣ الكلم الطيّب والعمل الصالح٤، وتعرج الملائكة والروح إليه وتنزل من عنده، ويدبّر الأمر من السماء إلى الأرض ثم يعرج إليه٥. فصانه عن استوائه على سرير الملك، ثم جعله في كلّ مكان يأنف الإنسان بل غيره من الحيوان أن يكون فيه.
وما قدره٦ حقَّ قدره مَن نفى حقيقة محبته ورحمته ورأفته ورضاه وغضبه ومقته، ولا مَن نفى حقيقةَ حكمته التي هي الغايات المحمودة المقصودة بفعله، ولا مَن نفى حقيقة فعله ولم يجعل له فعلًا اختياريًّا يقوم به، بل أفعاله مفعولات منفصلة عنه، فنفى حقيقة مجيئه٧ وإتيانه، واستوائه على عرشه، وتكليمه موسى من جانب الطور، ومجيئه يوم القيامة لفصل القضاء بين عباده بنفسه، إلى غير ذلك من أفعاله وأوصاف كماله التي نفَوها، وزعموا أنّهم بنفيها قد قدروه حقَّ قدره.
(١) ز: "قدر الله". وقد سقط من ل: "وكذلك ما قدره حق قدره".
(٢) ف: "نتن". وقال المؤلف في نونيته (٣١٥): والقوم ما صانوه عن بئر ولا … قبر ولا حُشٍّ ولا أعطانِ
(٣) ل: "إليه يصعد".
(٤) زاد في ل: "يرفعه"، كما في سورة فاطر (١٠).
(٥) انظر سورة المعارج (٤)، وسورة السجدة (٥).
(٦) ف: "وما قدر الله".
(٧) ما عدا ز: "محبته".
وكذلك لم يقدُره حقَّ قدره من جعل له صاحبةً وولدًا، أو جعله١ يحِلّ في مخلوقاته، أو جعله عينَ٢ هذا الوجود.
وكذلك لم يقدُره حقّ قدره من قال: إنه رفع أعداءَ رسوله وأهل بيته، وأعلى٣ ذكرَهم، وجعل فيهم الملك والخلافة والعِزّ، ووضع أولياء رسولهِ وأهلِ بيته، وأهانهم، وأذلّهم، وضرب عليهم الذلَّة٤ أينما ثقفوا. وهذا يتضمن غاية القدح في الربّ، تعالى عن قول الرافضة علوًّا كبيرًا.
وهذا القول مشتقّ من قول اليهود والنصارى في ربّ العالمين: إنّه أرسل ملكًا ظالمًا، فادّعى النبوة لنفسه، وكذب على الله، ومكث زمنًا طويلًا٥ يكذب عليه كلّ وقت، ويقول: قال كذا، وأمر بكذا، ونهى عن كذا؛ وينسخ شرائع أنبيائه ورسله، ويستبيح دماء أتباعهم وأموالهم وحريمهم، ويقول: الله أباح لي ذلك! والربّ تعالي يُظهره، ويؤيّده٦، ويعليه، ويُعزّه٧، ويجيب دعواته٨، ويمكّنه ممن يخالفه، ويقيم الأدلّة على صدقه، ولا يعاديه أحد إلا ظفر به، فيصدّقه بقوله وفعله
وتقريره، ويُحدِث أدلّةَ تصديقه شيئًا بعد شيء. ومعلوم أنّ هذا يتضمن