الداء والدواء

أعظمَ القدح والطعن في الربّ ﷾ وعلمه وحكمته ورحمته وربوبيته. تعالى الله عن قول الجاحدين علوًّا كبيرًا.

فوازِنْ بين قول هؤلاء وبيّن قول١ إخوانهم من الرافضة تجد القولين:

رضيعي لِبانٍ ثديَ أمٍّ تقاسما٢بأسحمَ داجٍ عوضُ لا نتفرَّقُ٣

وكذلك لم يقدُرْه حق قدره مَن قال: إنّه يجوز أن يعذّب أولياءه ومن لم يعصِه طرفةَ عين ويدخلهم دار الجحيم، وينعمَ أعداءه ومن لم يؤمن به طرفة عين ويدخلهم دار النعيم، وإنّ كلا الأمرين بالنسبة إليه سواء، وإنّما الخبر المحض جاء عنه بخلاف ذلك، فمنعناه للخبر، لا لمخالفة حكمته٤ وعدله. وقد أنكر سبحانه في كتابه٥ على من جوّز عليه ذلك غاية الإنكار٦، وجعل الحكم به من أسوأ الأحكام.

وكذلك لم يقدُره حقَّ قدره مَن زعم أنّه لا يحيى الموتى، ولا يبعث من في القبور، ولا يجمع٧ خلقه ليوم يجازي المحسنَ فيه٨ بإحسانه والمسيءَ بإساءته، ويأخذ للمظلوم فيه حقّه من ظالمه، ويكرم

  1. (١) ف، ز: "قول هؤلاء وقول".
  2. (٢) ز: "تحالفا".
  3. (٣) ما عدا ف: "لا يتفرق"، تصحيف. وقد تقدم البيت في ص (٢٢٤).
  4. (٤) ز: "حكمه". ف: "لمخالفة ذلك وحكمته".
  5. (٥) "في كتابه" ساقط من ل، ز.
  6. (٦) ل: "يجوز عليه … ". وقد سقط من ز "ذلك غاية".
  7. (٧) ل: "ولا يبعث".
  8. (٨) ل: "فيه المحسن".
325

المتحمّلين للمشاقّ١ في هذه الدار من أجله وفي مرضاته بأفضل كرامته، ويبيّن٢ لخلقه الذي يختلفون فيه، ويُعلِمُ٣ الذين كفروا أنّهم كانوا كاذبين.

وكذلك لم يقدُرْه حق قدره من هان عليه أمرُه فعصاه، ونهيُه فارتكبه، وحقُّه فضيّعه، وذكرُه فأهمله وغفل قلبه عنه، وكان هواه آثرَ عنده من طلب رضاه، وطاعة المخلوق أهمّ عنده من طاعته. فلله الفَضْلةُ من قلبه وقوله وعمله، وسواه المقدَّم في ذلك؛ لأنّه المهمّ عنده. يستخِفّ بنظر الله إليه واطلاعه عليه، وهو في قبضته، وناصيتُه بيده. ويُعظِّم نظرَ المخلوق إليه واطّلاعَه عليه بكلّ قلبه وجوارحه٤. ويستحيي من الناس، ولا يستحيي من الله. ويخشى الناس، ولا يخشى الله. ويعامل الخلقَ بأفضلِ ما يقدر عليه، وإن عاملَ اللهَ عاملَه بأهونِ ما عنده وأحقرِه، وإن قام في خدمة إلهه من البشر قام بالجدّ والاجتهاد وبذلِ النصيحة٥، وقد فرغّ له قلبه وجوارحه، وقدّمه عَلى كثير من مصالحه، حتى إذا قام في حقّ ربّه -إن ساعد القدرُ- قام قيامًا لا يرضى مثلَه مخلوق من مخلوق، وبذل له من ماله ما يستحيي أن يواجه به مخلوق لمثله! فهل قدر اللهَ حقَّ قدره من هذا وصفُه؟ وهل قدره حقَّ قدره مَن شارك بينه وبيّن عدوِّه في محض

  1. (١) ل: "المشاق".
  2. (٢) ز: "تبين".
  3. (٣) ل: "وليعلم".
  4. (٤) ز: "بكل جوارحه وقلبه".
  5. (٥) ل: "قد بذل له النصيحة".
326

الفهرس

البحث في الكتاب

    فهارس الكتاب

      القراءة

      حجم الخط
      21
      الخط
      المظهر
      العرض
      التشكيل
      التمييز بالألوان
      الحواشي
      الصفحة
      الصفحة الحالية

      مفاتيح: ← التالية · → السابقة · T الفهرس · / البحث · N الحواشي