والجلال أن يأذن في مشاركته في ذلك أو يرضى به؟ تعالى الله عن ذلك علوًّا كبيرًا.
فصل
فلما كان الشرك أكبرَ شيء منافاةً للأمر الذي خلق الله له الخلق وأمر لأجله بالأمر كان أكبر الكبائر عند الله.
وكذلك الكبر وتوابعه كما تقدّم، فإنّ الله سبحانه خلق الخلق وأنزل الكتب لتكون الطاعة له وحده، والشرك والكبر ينافيان ذلك.
ولذلك حرّم الله الجنّة على أهل الشرك والكبر، فلا يدخلها١ من كان في قلبه مثقال ذرّة من كبر٢.
فصل
ويلي ذلك في كبر المفسدة٣: القولُ على الله بلا علم في أسمائه وصفاته وأفعاله، ووصفُه بضدّ ما وصف به نفسَه ووصَفَه به رسولُه. فهو٤ أشدُّ شيءٍ مناقضةً ومنافاةً لكمال٥ من له الخلق والأمر، وقدحٌ في نفس الربوبية وخصائص الربّ.
(١) س: "ولا يدخلها".
(٢) كما في الحديث الذي أخرجه مسلم عن ابن مسعود ﵁ في الإيمان، باب تحريم الكبر وبيانه (٩١).
(٣) ف: "مفسدة".
(٤) ف: "فهذا".
(٥) كذا في ف. وفي ز: "لحكمة". ولم يتضح "لكمال من" في س. وفي ل: "منافاة الخلق"، فأسقط ما بين الكلمتين. وفي خا: "منافاة للخلق".
فإن صدر ذلك عن علم فهو عناد أقبح من الشرك، وأعظم إثمًا عند الله. فإنّ المشرك المقِرّ بصفات الربّ خير من المعطِّل الجاحد لصفات كماله. كما١ أنّ من أقرَّ لملِكٍ٢ بالمُلْك، ولم يجحد مُلكه، ولا الصفات التي استحقّ بها الملك، لكن جعل معه شريكًا في بعض الأمور يُقرّبه إليه = خيرٌ ممن جحد٣ صفاتِ الملِك وما يكون به مَلِكًا.
هذا أمر مستقرّ في سائر الفِطَر والعقول. فأين القدح في صفات الكمال والجحدُ لها، من عبادة واسطةٍ بين المعبود الحق وبيّن العابد٤ يتقرَّب إليه بعبادة تلك الواسطة إعظامًا له وإجلالًا؟ فداء التعطيل هو٥ الداء العضال الذي لا دواء له.
ولهذا حكى الله عن إمام المعطلة فرعون أنه أنكر على موسى ما أخبر به من٦ أنّ ربّه فوق السموات، فقال: ﴿يَا هَامَانُ ابْنِ لِي صَرْحًا لَعَلِّي أَبْلُغُ الْأَسْبَابَ ٣٦ أَسْبَابَ السَّمَاوَاتِ فَأَطَّلِعَ إِلَى إِلَهِ مُوسَى وَإِنِّي لَأَظُنُّهُ كَاذِبًا﴾[غافر: ٣٦ - ٣٧]. واحتجّ الشيخ أبو الحسن الأشعري في كتبه على
المعطِّلة بهذه الآية، وقد ذكرنا لفظه في غير هذا الكتاب٧.