الداء والدواء

ولما كانت البدع المضِلّة جهلًا بصفات الله وتكذيبًا بما أخبر به عن نفسه وأخبر به عنه رسوله١ عنادًا وجهلًا٢ كانت من أكبر الكبائر -إن٣ قصرت عن الكفر- وكانت أحبَّ إلى إبليس من كبار الذنوب، كما قال بعض السلف: البدعة أحبُّ إلى إبليس من المعصية؛ لأنّ المعصية يتاب منها، والبدعة لا يتاب منها٤. وقال إبليس: أهلكتُ بني آدم بالذنوب، وأهلكوني بالاستغفار وبلا إله إلا الله. فلما رأيت ذلك بثثتُ فيهم الأهواءَ، فهم يذنبون، ولا يتوبون؛ لأنّهم يحسبون أنهم يحسنون صُنْعا!٥

ومعلوم أنّ المذنب إنما ضرره على نفسه، وأما المبتدع فضرره على النوع. وفتنة المبتدع في أصل الدين، وفتنة المذنب في الشهوة. والمبتدع قد قعد للناس على صراط الله المستقيم يصدَّهم عنه، والمذنب

  1. (١) س: "عنه به رسوله". وقد سقط "عنه" من ف. وفي ل: "عن رسوله"، خطأ.
  2. (٢) ف: "أو جهلًا".
  3. (٣) س: "وإن"، ولكن الظاهر أن الواو زيادة من بعض القرّاء. وهو الذي كتب تحت "الكفر": "بالتنزّل".
  4. (٤) من كلام سفيان الثوري. أخرجه ابن الجعد في مسنده (١٨٨٥) واللالكائي في شرح أصول الاعتقاد (٢٣٨) وأبو نعيم في الحلية (٧/ ٢٦) والبيهقي في شعب الإيمان ١٦/ ٤٨٢ (٩٠٠٩). وسنده حسن (ز) وانظر مدارج السالكين (١/ ٣٢٢).
  5. (٥) أخرجه أبو يعلى في مسنده (١٣٦) وابن أبي عاصم في السنة (٧) والهمذاني العطار في فتيا وجوابها في الاعتقاد (١١) وغيرهم. وسنده واهٍ، فيه عبد الغفور: متروك الحديث، وكان يضع الحديث. وعثمان بن مطير أيضًا ضعيف. وبه ضعّف الحديث الهيثمي في مجمع الزوائد (١٠/ ٢٠٧). (ز) وانظر شفاء العليل (٤١٤).
331

ليس كذلك. والمبتاع قادح في أوصاف الربّ وكماله١، والمذنب ليس كذلك. والمبتدع مناقض لما جاء به الرسول، والعاصي ليس كذلك. والمبتدع يقطع على الناس طريقَ الآخرة، والعاصي بطيء السير بسبب ذنوبه.

فصل

ثم لمّا كان الظلم والعدوان منافيًا للعدل الذي قامت به٢ السموات والأرض، وأرسل الله سبحانه رسله وأنزل كتبه ليقوم الناس به = كان من أكبر الكبائر عند الله، وكانت درجته في العظم بحسب مفسدته في نفسه.

وكان٣ قتلُ الإنسان ولدَه الطفلَ الصغيرَ الذي لا ذنب له، وقد جبل الله سبحانه القلوبَ على رحمته، وعَطَفَها عليه٤، وخصّ الوالدين من ذلك بمزية ظاهرة، فقتله خشيةَ أن يشاركه في مطعمه ومشربه وماله = من أقبح الظلم وأشدّة. وكذلك قتلُه أبويه الذين كانا سبب وجوده، وكذلك قتله ذا رحمه.

وتتفاوت٥ درجات القتل بحسب قبحه، واستحقاقِ مَن قَتلَه السعيَ٦ في إبقائه ونصيحته. ولهذا كان أشدّ الناس عذابًا يوم القيامة من قتل نبيًّا، أو قتله نبيٌّ. ويليه من قتل إمامًا، أو عالمًا يأمر الناس

  1. (١) س: "الرب ﷾ وتقدس"، وسقط منها: "وكماله".
  2. (٢) س، ز: "به قامت".
  3. (٣) ل، ز: "فكان".
  4. (٤) ف: "عليهم".
  5. (٥) ف: "وتفاوت"، وفي ز: "ويتفاوت القتل".
  6. (٦) ف، ل: "للسعي".
332

الفهرس

البحث في الكتاب

    فهارس الكتاب

      القراءة

      حجم الخط
      21
      الخط
      المظهر
      العرض
      التشكيل
      التمييز بالألوان
      الحواشي
      الصفحة
      الصفحة الحالية

      مفاتيح: ← التالية · → السابقة · T الفهرس · / البحث · N الحواشي