ليس كذلك. والمبتاع قادح في أوصاف الربّ وكماله١، والمذنب ليس كذلك. والمبتدع مناقض لما جاء به الرسول، والعاصي ليس كذلك. والمبتدع يقطع على الناس طريقَ الآخرة، والعاصي بطيء السير بسبب ذنوبه.
فصل
ثم لمّا كان الظلم والعدوان منافيًا للعدل الذي قامت به٢ السموات والأرض، وأرسل الله سبحانه رسله وأنزل كتبه ليقوم الناس به = كان من أكبر الكبائر عند الله، وكانت درجته في العظم بحسب مفسدته في نفسه.
وكان٣ قتلُ الإنسان ولدَه الطفلَ الصغيرَ الذي لا ذنب له، وقد جبل الله سبحانه القلوبَ على رحمته، وعَطَفَها عليه٤، وخصّ الوالدين من ذلك بمزية ظاهرة، فقتله خشيةَ أن يشاركه في مطعمه ومشربه وماله = من أقبح الظلم وأشدّة. وكذلك قتلُه أبويه الذين كانا سبب وجوده، وكذلك قتله ذا رحمه.
وتتفاوت٥ درجات القتل بحسب قبحه، واستحقاقِ مَن قَتلَه السعيَ٦ في إبقائه ونصيحته. ولهذا كان أشدّ الناس عذابًا يوم القيامة من قتل نبيًّا، أو قتله نبيٌّ. ويليه من قتل إمامًا، أو عالمًا يأمر الناس
(١) س: "الرب ﷾ وتقدس"، وسقط منها: "وكماله".
(٢) س، ز: "به قامت".
(٣) ل، ز: "فكان".
(٤) ف: "عليهم".
(٥) ف: "وتفاوت"، وفي ز: "ويتفاوت القتل".
(٦) ف، ل: "للسعي".
بالقسط، ويدعوهم إلى الله، وينصحهم في دينهم.
وقد جعل الله سبحانه جزاءَ قتل النفس المؤمنة عمدًا الخلودَ في النار، وغضب الجبار، ولعنته، وإعداد العذاب العظيم له١. هذا موجَب قتل المؤمن عمدًا، ما لم يمنع منه مانع. ولا خلاف أنّ الإِسلام الواقع بعد القتل طوعًا واختيارًا مانع٢ من نفوذ ذلك الجزاء.
وهل تمنع توبة المسلم منه بعد وقوعه؟٣ فيه قولان للسلف والخلف، وهما روايتان عن أحمد.
والذين قالوا: لا تمنع التوبة من نفوذه، رأوا أنّه حقّ لآدمي لم يستوفه في دار الدنيا، وخرج منها بظلامته، فلابد أن يُستوفَى له في دار العدل.
قالوا: وما استوفاه الوارث فإنّما استوفى محض حقّه الذي خيّره الله بين استيفائه والعفو عنه، وما ينفع المقتولَ من استيفاء وارثه، وأيّ استدراك لظلامته حصل له باستيفاء وارثه؟
وهذا أصحّ القولين في المسألة أن حقّ المقتول لا يسقط باستيفاء الوارث. وهما وجهان لأصحاب أحمد والشافعي وغيرهم.
ورأت طائفة٤ أنه يسقط بالتوبة واستيفاء الوارث، فإنّ التوبة تهدم
(١) كما في قوله تعالى في سورة النساء (٩٣): ﴿وَمَنْ يَقْتُلْ مُؤْمِنًا مُتَعَمِّدًا فَجَزَاؤُهُ جَهَنَّمُ خَالِدًا فِيهَا وَغَضِبَ اللَّهُ عَلَيْهِ وَلَعَنَهُ وَأَعَدَّ لَهُ عَذَابًا عَظِيمًا ٩٣﴾.