الداء والدواء

بالقسط، ويدعوهم إلى الله، وينصحهم في دينهم.

وقد جعل الله سبحانه جزاءَ قتل النفس المؤمنة عمدًا الخلودَ في النار، وغضب الجبار، ولعنته، وإعداد العذاب العظيم له١. هذا موجَب قتل المؤمن عمدًا، ما لم يمنع منه مانع. ولا خلاف أنّ الإِسلام الواقع بعد القتل طوعًا واختيارًا مانع٢ من نفوذ ذلك الجزاء.

وهل تمنع توبة المسلم منه بعد وقوعه؟٣ فيه قولان للسلف والخلف، وهما روايتان عن أحمد.

والذين قالوا: لا تمنع التوبة من نفوذه، رأوا أنّه حقّ لآدمي لم يستوفه في دار الدنيا، وخرج منها بظلامته، فلابد أن يُستوفَى له في دار العدل.

قالوا: وما استوفاه الوارث فإنّما استوفى محض حقّه الذي خيّره الله بين استيفائه والعفو عنه، وما ينفع المقتولَ من استيفاء وارثه، وأيّ استدراك لظلامته حصل له باستيفاء وارثه؟

وهذا أصحّ القولين في المسألة أن حقّ المقتول لا يسقط باستيفاء الوارث. وهما وجهان لأصحاب أحمد والشافعي وغيرهم.

ورأت طائفة٤ أنه يسقط بالتوبة واستيفاء الوارث، فإنّ التوبة تهدم

  1. (١) كما في قوله تعالى في سورة النساء (٩٣): ﴿وَمَنْ يَقْتُلْ مُؤْمِنًا مُتَعَمِّدًا فَجَزَاؤُهُ جَهَنَّمُ خَالِدًا فِيهَا وَغَضِبَ اللَّهُ عَلَيْهِ وَلَعَنَهُ وَأَعَدَّ لَهُ عَذَابًا عَظِيمًا ٩٣﴾.
  2. (٢) ما عدا س: "مانعًا"، وقد أصلح في ف.
  3. (٣) وانظر مدارج السالكين (١/ ٣٩٨).
  4. (٤) في ل: "رواية ثالثة" مكان "ورأت طائفة"!
333

ما قبلها، والذنب الذي قد جناه قد أقيم عليه حدّه.

قالوا: وإذا كانت التوبة تمحو أثر الكفر والسحر وما هو أعظم إثمًا١ من القتل فكيف تقصر عن محو أثر القتل؟ وقد قبل الله توبة الكفّار الذين قتلوا أولياءه، وجعلهم من خيار عباده، ودعا الذين أولياءه٢ وفتنوهم عن دينهم٣ إلى التوبة، وقال: ﴿قُلْ يَا عِبَادِيَ الَّذِينَ أَسْرَفُوا عَلَى أَنْفُسِهِمْ لَا تَقْنَطُوا مِنْ رَحْمَةِ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ يَغْفِرُ الذُّنُوبَ جَمِيعًا إِنَّهُ هُوَ الْغَفُورُ الرَّحِيمُ ٥٣﴾ [الزمر: ٥٣]. فهذه في حق التائب، وهي تتناول الكفر وما دونه.

قالوا: وكيف يتوب العبد من الذنب، ويعاقَب عليه بعد التوبة؟ هذا معلوم انتفاؤه في شرع الله وجزائه.

قالوا: وتوبة هذا المذنب تسليم نفسه، ولا يمكن تسليمها إلى المقتول، فأقام الشارع وليّه مقامَه، وجعل تسليم النفس إليه كتسليمها إلى المقتول، بمنزلة تسليم المال الذي عليه لوارثه، فإنّه يقوم مقام

تسليمه للمورث٤.

والتحقيق في هذه المسألة٥ أنّ القتل يتعلق به ثلاث٦ حقوق: حقّ لله، وحقّ للمقتول، وحقّ للولي. فإذا سلّم القاتل نفسه طوعًا واختيارًا إلى الولي ندمًا على ما فعل، وخوفًا من الله، وتوبةً نصوحًا،

  1. (١) "إثمًا" ساقط من ز.
  2. (٢) "وجعلهم … أولياءه" ساقط من ز.
  3. (٣) "عن دينهم" ساقط من س.
  4. (٤) ز، ل: "للموروث".
  5. (٥) ما عدا س: "في المسألة".
  6. (٦) كذا بتذكير العدد في جميع النسخ.
334

الفهرس

البحث في الكتاب

    فهارس الكتاب

      القراءة

      حجم الخط
      21
      الخط
      المظهر
      العرض
      التشكيل
      التمييز بالألوان
      الحواشي
      الصفحة
      الصفحة الحالية

      مفاتيح: ← التالية · → السابقة · T الفهرس · / البحث · N الحواشي