الداء والدواء

سقط حقُّ الله بالتوبة، وحقُّ الولي بالاستيفاء أو الصلح أو العفو١، وبقي حقّ المقتول يعوّضه الله عنه يوم القيامة عن عبده التائب المحسن، ويصلح بينه وبينه، فلا يذهب حقّ هذا، ولا تبطل توبة هذا.

وأما مسألة المال٢ فقد اختلف فيها، فقالت طائفة: إذا أدى ما عليه من المال إلى الوارث فقد برئ من عهدته في الآخرة، كما بريء منها٣ في الدنيا.

وقالت طائفة: بل المطالبةُ لمن ظلمه بأخذه باقيةٌ عليه يوم القيامة، وهو لم يستدرك ظلامته بأخذ وارثه له، فإنّه منعه من انتفاعه به في طول حياته، ومات ولم ينتفع به. وهذا ظلم لم يستدركه هو، وإنما انتفع غيره باستدراكه.

وبنوا على هذا أنه لو انتقل من واحد إلى واحد وتعدّد الورثة كانت المطالبة به للجميع؛ لأنّه حق كان يجب عليه دفعه إلى كل واحد منهم عند كونه هو الوارث. وهذا قول طائفة من أصحاب مالك وأحمد.

وفصل شيخنا بين الطائفتين، فقال: إن تمكن الموروث٤ من أخذ ماله والمطالبة به فلم يأخذه حتى مات صارت المطالبة به للوارث في الآخرة، كما هي كذلك في الدنيا. وإن لم يتمكن من طلبه وأخذه بل حال بينه وبينه ظلمًا وعدوانًا فالطلب له في الآخرة.

  1. (١) ف: "والصلح والعفو".
  2. (٢) وانظر مدارج السالكين (١/ ٣٩١).
  3. (٣) ل: "تبرأ منه".
  4. (٤) س: "المورث".
335

وهذا التفصيل من أحسن ما يقال، فإنّ المال إذا استهلكه الظالم على الموروث، وتعذّر عليه أخذه منه، صار بمنزلة عبده الذي قتله قاتل، ودارِه التي أحرقها غيرُه، وطعامِه وشرابه الذي أكله وشربه غيرُه.

ومثل هذا إنما تلف على الموروث١ لا على الوارث، فحقُّ المطالبة لمن تلِفَ على ملكه.

بقي٢ أن يقال: فإذا كان المال عقارًا أو أرضًا أو أعيانًا٣ قائمةً باقيةً بعد الموت، فهي ملك للوارث٤، يجب على الغاصب دفعها إليه كلّ وقت٥. فإذا لم يدفع إليه أعيان ماله استحقّ المطالبة بها عند الله، كما يستحق المطالبة٦ بها في الدنيا.

وهذا سؤال قوي لا مخلص منه إلا بأن يقال: المطالبة لهما٧ جميعًا، كما لو غصب مالًا مشتركًا بين جماعة استحقّ كل منهم المطالبة بحقّه منه، وكما لو استولى على وقف مرتّب على بطون، فأبطل حقّ البطون كلّهم منه، كانت المطالبة يوم القيامة لجميعهم، ولم يكن بعضهم أولى بها٨ من بعض. والله أعلم.

  1. (١) س: "المورث".
  2. (٢) ما عدا ف: "فبقي".
  3. (٣) ل، ز: "وأرضًا وأعيانًا".
  4. (٤) ف: "الموروث".
  5. (٥) ز: "في كل وقت".
  6. (٦) كلمة "المطالبة" ساقطة من ف.
  7. (٧) ز: "بهما"، خطأ.
  8. (٨) "بها" ساقط من ف.
336

الفهرس

البحث في الكتاب

    فهارس الكتاب

      القراءة

      حجم الخط
      21
      الخط
      المظهر
      العرض
      التشكيل
      التمييز بالألوان
      الحواشي
      الصفحة
      الصفحة الحالية

      مفاتيح: ← التالية · → السابقة · T الفهرس · / البحث · N الحواشي