وهذا التفصيل من أحسن ما يقال، فإنّ المال إذا استهلكه الظالم على الموروث، وتعذّر عليه أخذه منه، صار بمنزلة عبده الذي قتله قاتل، ودارِه التي أحرقها غيرُه، وطعامِه وشرابه الذي أكله وشربه غيرُه.
ومثل هذا إنما تلف على الموروث١ لا على الوارث، فحقُّ المطالبة لمن تلِفَ على ملكه.
بقي٢ أن يقال: فإذا كان المال عقارًا أو أرضًا أو أعيانًا٣ قائمةً باقيةً بعد الموت، فهي ملك للوارث٤، يجب على الغاصب دفعها إليه كلّ وقت٥. فإذا لم يدفع إليه أعيان ماله استحقّ المطالبة بها عند الله، كما يستحق المطالبة٦ بها في الدنيا.
وهذا سؤال قوي لا مخلص منه إلا بأن يقال: المطالبة لهما٧ جميعًا، كما لو غصب مالًا مشتركًا بين جماعة استحقّ كل منهم المطالبة بحقّه منه، وكما لو استولى على وقف مرتّب على بطون، فأبطل حقّ البطون كلّهم منه، كانت المطالبة يوم القيامة لجميعهم، ولم يكن بعضهم أولى بها٨ من بعض. والله أعلم.
وقد أشكل فهم هذا٢ على كثير من الناس، وقالوا: معلوم أنّ إثمَ قاتلِ مائةٍ أعظمُ عند الله من إثم قاتل نفس واحدة. وإنّما أُتوا من ظنّهم أنّ التشبيه في مقدار الإثم والعقوبة، واللفظُ لم يدلّ على هذا، ولا يلزم من تشبيه الشيء بالشيء أخذُه بجميع أحكامه.
وقد قال تعالى: ﴿كَأَنَّهُمْ يَوْمَ يَرَوْنَهَا لَمْ يَلْبَثُوا إِلَّا عَشِيَّةً أَوْ ضُحَاهَا ٤٦﴾[النازعات: ٤٦] وقال: ﴿كَأَنَّهُمْ يَوْمَ يَرَوْنَ مَا يُوعَدُونَ لَمْ يَلْبَثُوا إِلَّا سَاعَةً مِنْ نَهَارٍ بَلَاغٌ فَهَلْ يُهْلَكُ إِلَّا الْقَوْمُ الْفَاسِقُونَ ٣٥﴾[الأحقاف: ٣٥]. وذلك لا يوجب أنّ٣ لبثهم في الدنيا إنّما كان هذا المقدار.
وقال النبي ﷺ: "من صلّى العشاءَ في جماعةٍ فكأنما قام نصف الليل، ومن صلّى الفجر في جماعة فكأنما قام الليل كلَّه"٤، أي مع العشاء، كما جاء في لفظ آخر٥.
(١) س: "هذا المفسدة".
(٢) س: "وقد أشكل ذلك".
(٣) "أن" ساقطة من ل، ز.
(٤) من حديث عثمان بن عفان ﵁. أخرجه مسلم في المساجد، باب فضل صلاة العشاء والصبح في جماعة (٦٥٦).
(٥) ساقه أحمد في المسند ١/ ٥٧ (٤٠٨) بلفظ "من صلى صلاة العشاء والصبح في =