وأصرح من هذا قوله: "من صام رمضان وأتبعه ستًا من شوال فكأنما صام الدهر"١، وقوله: "من قرأ ﴿قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ ١﴾ فكأنما قرأ ثلث القرآن"٢.
ومعلوم أنّ ثواب فاعل هذه الأشياء لم يبلغ ثواب المشبَّه به، فيكونَ قدرهما سواءً. ولو كان قدرُ الثواب سواءً لم يكن لمصلي العشاء والفجر جماعةً٣ منفعة في قيام الليل غير التعب والنصب.
وما أوتي عبدٌ بعد الإيمان أفضلَ من الفهم عن الله ورسوله، وذلك فضل الله يوتيه من يشاء.
فإن قيل: ففي أيّ شيء وقع التشبيه بين قاتل نفس واحدة وقاتل الناس جميعًا؟
= جماعة فهو كقيام ليلة".
(١) ف: "الدهر كله". والحديث أخرجه مسلم عن أبي أيوب الأنصاري ﵁ في الصيام، باب استحباب صوم ستة أيام من شوال (١١٦٤).
(٢) ثبت ذلك في حديث أبي الدرداء عند مسلم (٨١١) بلفظ: "أيعجز أحدكم أن يقرأ في ليلة ثلث القرآن؟ قالوا: وكيف يقرأ ثلث القرآن؟ قال: ﴿قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ ١﴾ تعدل ثك القرآن". وعن أبي هريرة عند مسلم أيضًا (٨١٢) نحوه. وعن أبي سعيد الخدري عند البخاري (٥٠١٥) نحوه. وباللفظ الوارد عند المصنف أخرجه أحمد في المسند ٥/ ١٤١ (٢١٢٧٥) وأبو عبيد في فضائل القرآن (١٤٣ - ١٤٤) والضياء في المختارة (١٢٣٩، ١٢٤٠) عن أبي بن كعب أو عن رجل من الأنصار. وأخرجه الترمذي (٢٨٩٦) عن أبي أيوب وقال: هذا حديث حسن.
(٣) ف: "الفجر والعشاء في جماعة".
قَيل: في وجوه متعددة:
أحدها: أنّ كلًّا١ منهما عاص لله ورسوله، مخالف٢ لأمره، متعرّض لعقوبته. وكلّ منهما قد باء بغضب الله٣، ولعنته، واستحقاق الخلود في نار جهنم، وأعدّ له عذابًا عظيمًا، وإن تفاوتت دركات العذاب، فليس إثم من قتل نبيًّا أو إماما عادلًا أو عالمًا يأمر الناس بالقسط كإثم من قتل من لا مزية له٤ من آحاد الناس.
الثاني: أنهما سواء في استحقاق إزهاق النفس.
الثالث: أنهما سواء في الجراءة على سفك الدم الحرام، فإنّ من قتل نفسًا بغير استحقاق، بل لمجرّد الفساد في الأرض أو لأخذ ماله، فإنّه يتجرّأ على قتل كل٥ من ظفر به، وأمكنه قتلُه، فهو مُعادٍ للنوع الإنساني.
ومنها٦: أنّه يسمَّى قاتلًا أو فاسقًا أو ظالمًا أو٧ عاصيًا بقتله واحدًا، كما يسمّى كذلك بقتله الناس جميعًا.
ومنها: أنّ الله سبحانه جعل المؤمنين٨ في توادّهم وتراحمهم
(١) ف: "كل واحد".
(٢) س: "ومخالف".
(٣) ل: "من الله".
(٤) ف: "قتل شخصًا لا مزية له". وفي ز: "من لا يؤبه له".
(٥) لفظة "كل" ساقطة من ل.
(٦) وقع في س مكان "ومنها": "الرابع وأنهما سواء في الجزاء" كذا!
(٧) في ل، ز واو العطف مكان "أو" في المواضع الثلاثة.