وتواصلهم كالجسد الواحد، إذا اشتكى منه عضو١ تداعى له سائر الجسد بالحمّى والسهر٢. فإذا أتلف القاتل من هذا الجسد عضوًا، فكأنّما أتلف سائر الجسد، وآلم جميع أعضائه. فمن آذى مؤمنًا واحدًا، فكأنّما آذى جميع المؤمنين. ومن آذى جميع المؤمنين آذى جميع الناس٣، فإنّ الله إنّما يدفع عن الناس بالمؤمنين الذين بينهم، فإيذاء الخفير إيذاء المخفر٤.
وقد قال النبي ﷺ: "لا تقتلُ نفسٌ ظلمًا بغير حقّ إلا كان على ابن آدم الأول كِفْلٌ من دمها٥؛ لأنّه أول من سنّ القتل"٦. ولم يجئ هذا الوعيد في أوّل زانٍ، ولا أوّل سارق، ولا أول شارب مسكرِ٧؛ وإن كان أولُ المشركين قد يكون أولى بذلك من أول قاتلَ؛ لأنه أول من سنّ الشرك. ولهذا رأى النبي ﷺ عمرو بن لُحَيّ يعذَّب أعظمَ العذاب في النار؛ لأنّه أول من غيّر دين إبراهيم٨.
(١) ل: "عضو واحد".
(٢) كما في حديث النعمان بن بشير ﵁، أخرجه البخاري في الأدب، باب رحمة الناس والبهائم (٦٠١١)، ومسلم في البرّ والصلة، باب تراحم المؤمنين (٢٥٨٦).
(٣) ما عدا س: "وفي أذى جميع المؤمنين أذى … ".
(٤) ف، ل: "الحقير … المحقر"، تصحيف.
(٥) ف، ز: "من دمه".
(٦) من حديث ابن مسعود ﵁. أخرجه البخاري في أحاديث الأنبياء، باب خلق آدم وذريته (٣٣٣٥)، ومسلم في القسامة، باب بيان إثم من سنّ القتل (١٦٧٧).
(٧) ز: "شارب خمر".
(٨) كما في حديث أبي هريرة ﵁. أخرجه البخاري في المناقب، باب =
وقال تعالى: ﴿وَلَا تَكُونُوا أَوَّلَ كَافِرٍ بِهِ﴾[البقرة: ٤١]، أي فيقتدي بكم مَن بعدكم، فيكون إثم كفره عليكم. وكذلك حكم من سنّ سنةً سيئة فاتّبعَ عليها.
وفي جامع الترمذي١ عن ابن عباس عن النبي ﷺ -قال: "يجيء المقتول بالقاتل يوم القيامة، ناصيته ورأسه بيده، وأوداجه تشخُب دمًا، يقول: يا رب سَلْ هذا: فيمَ قتلني؟ " فذكروا لابن عباس التوبة، فتلا٢
= قصة خزاعة (٣٥٢١)؛ ومسلم في كتاب الجنّة وصفة نعيمها وأهلها، باب النار يدخلها الجبارون … (٢٨٥٦).
(١) برقم (٣٠٢٩). وأخرجه النسائي (٤٠٠٥) من طريق ورقاء ومحمد بن ثابت العبدي كلاهما عن عمرو بن دينار عن ابن عباس فذكره. ورواه عمار الدهني وغيره عن سالم بن أبي الجعد عن ابن عباس بنحوه. أخرجه النسائي (٣٩٩٩) وابن ماجه (٢٦٢١) وأحمد (٢٦٨٣،١٩٤١) والطبراني (١٢٥٩٧) وغيرهم. قال الحافظ ابن حجر في موافقة الخُبْر الخَبَر (٢/ ٣٣٤): "هذا حديث صحيح". قلت: سالم بن أبي الجعد كثير الإرسال وهل سمع من ابن عباس أم لا؟ وانظر تخريجه في سنن سعيد بن منصور- تفسير (٤/ ١٣١٩). ورواه سعيد بن جبير عن ابن عباس في أن الآية لم ينسخها شيء، ولم يذكر المتن المرفوع: "يجيء القاتل بالمقتول … ". أخرجه البخاري (٤٣١٤، ٤٤٨٥ - ٤٤٨٨)، ومسلم (٣٠٢٣). ورواه أبو معاوية البجلي عن سعيد بن جبير عن ابن عباس موقوفًا قال: يأتي المقتول يوم القيامة آخذًا رأسه بيمينه، وأوداجه تشخب دمًا يقول: يا ربِّ دمي عند فلان فيؤخذان فيسندان إلى العرش، فما أدري ما يقضي بينهما، ثم نزع بالآية وذكر بقية الحديث. أخرجه الطبري (٥/ ٢٢٠).