الداء والدواء

وقال: "إيّاكم والجلوس على الطرقات". قالوا: يا رسول الله، مجالسُنا ما لنا منها بد. قال: "فإن كنتم لابدّ فاعلين، فأعطوا الطريق حقَّه». قالوا: وما حقّه؟ قال: "غضّ البصر، وكفّ الأذى، وردّ

السلام"١.

والنظر أصل عامّة الحوادث التي تصيب الإنسان، فإنّ النظرة تولّد خطرةً، ثم تولّد الخطرة فكرةً، ثم تولّد الفكرة شهوةً، ثم تولّد الشهوة إرادةً، ثم تقوى فتصير عزيمةً جازمةً، فيقع الفعل، ولا بدّ، ما لم يمنع منه مانع.

وفي هذا٢ قيل: الصبر على غضّ البصر٣ أيسرُ من الصبر على ألم ما بعده٤.

قال٥ الشاعر:

كلُّ الحوادث مبداها من النظرِومعظمُ النار من مستصغَر الشررِ
كم نظرةٍ بلغت من قلب صاحبهاكمبلغ السهم بين القوس والوتَرِ٦
  1. (١) من حديث أبي سعيد الخدري ﵁. أخرجه البخاري في المظالم، باب أفنية الدور … (٢٤٦٥)؛ ومسلم في اللباس والزينة (٢١٢١).
  2. (٢) ز: "ومن هذا".
  3. (٣) ف، ز: "غض الطرف". وسقط "أيسر من الصبر" من ل.
  4. (٤) "الصبر على غضّ … بعده" ساقط من س. ونقل المؤلف في عدة الصابرين (٤٠) خطبة للحجاج جاء فيها: "الصبر عن محارم الله أيسر من الصبر على عذابه". وانظر نحوه لزياد مولى ابن عياش في ذم الهوى (٦١).
  5. (٥) ف: "وقد قال".
  6. (٦) ل:
    كم نظرة فعلت في قلب صاحبها … فعل السهام بلا قوس ولا وتر =
350
والعبد ما دام ذا طَرْفٍ يقلّبهفي أعين العِين موقوفٌ على الخطرِ١
يسرّ مقلتَه ما ضرَّ مهجتَهلا مرحبًا بسرورٍ عاد بالضررِ٢

ومن آفات النظر: أنّه يورث الحسرات والزفرات والحرقات، فيرى العبد٣ ما ليس قادرًا عليه ولا صابرًا عنه. وهذا من أعظم العذاب أن ترى ما لا صبر لك عن بعضه، ولا قدرة لك على بعضه٤.

قال الشاعر:

وكنتَ متى أرسلتَ طرفَك رائدًالقلبك يومًا أتعبتك المناظرُ
رأيتَ الذي لا كلُّه أنت قادرٌعليه ولا عن بعضه أنت صابرُ٥

وهذا البيت يحتاج إلى شرح. ومراده أنك ترى ما لا تصبر عن شيء منه، ولا تقدر على شيء منه. فإنّ قوله: "لا كلّه أنت قادر عليه" نفيٌ لقدرته على الكلّ، التي لا تنتفي إلا بنفي القدرة عن كلّ واحد.

  1. = وكذا في بدائع الفوائد (١٢١٢). وفيه (٨١٧) وفي روضة المحبين (١٩٤): "فتكت في قلب صاحبها فتك السهام".
  2. (١) ف: "أعين الغِيد"، وكذا في روضة المحبين. وفيه: "والمرء ما دام ذا عين يقلبها".
  3. (٢) هذا البيت انفردت به ف. والأبيات الأربعة في روضة المحبين، والبيتان الأخيران منها في المدهش (٢٩٦).
  4. (٣) ف: "فالعبد يرى".
  5. (٤) ل: "لك عليه"، وأشير في حاشية س إلى هذه النسخة.
  6. (٥) أوردهما المؤلف في بدائع الفوائد (٨١٧)، وروضة المحبين (٣٤٣،١٩٤)، وإغاثة اللهفان (١٠٤). والبيتان في حماسة أبي تمام دون عزو. انظر شرح المرزوقي (١٢٣٨).
351

الفهرس

البحث في الكتاب

    فهارس الكتاب

      القراءة

      حجم الخط
      21
      الخط
      المظهر
      العرض
      التشكيل
      التمييز بالألوان
      الحواشي
      الصفحة
      الصفحة الحالية

      مفاتيح: ← التالية · → السابقة · T الفهرس · / البحث · N الحواشي