الداء والدواء
يا راميًا بسهام اللحظ مجتهدًاأنتَ القتيلُ بما تَرمي فلا تُصِبِ
وباعثَ الطرْفِ يرتاد الشفاءَ لهاحبِسْ رسولك لا يأتيك بالعطب١

وأعجب من ذلك أنّ النظرة تجرح القلبَ، فيتبعُها جرحًا على جرح، ثم لا يمنعه ألمُ الجراحة من استدعاء تكرارها. وَلي أيضًا في هذا المعنى:

ما زلتَ تُتبِعُ نظرةً في نظرةٍفي إثر كلِّ مليحةٍ ومليحِ
وتظنّ ذاك دواءَ جرحك وَهْو في التــحقيق تجريحٌ على تجريحِ
فذبحتَ طرفَك باللِّحاظِ وبالبكافالقلبُ منك ذبيحٌ ايُّ ذبيحِ٢

وقد قيل: حبسُ اللحَظاتِ أيسرُ من دوام الحسَرات٣.

فصل

وأما الخطرات فشأنها أصعب، فإنّها مبدأ الخير والشرّ، ومنها تتولّد الإرادات والهمم والعزائم. فمن راعى خطراتِه ملَكَ زمامَ نفسه، وقهر هواه. ومن غلبته خطراتُه فهواه ونفسه له أغلَب، ومن استهان

بالخطرات قادته قسرًا إلى الهلكات.

ولا تزال الخطرات تتردّد على القلب حتى تصير مُنًى باطلة:

  1. (١) س: "احبس بريدك". والبيتان في الروضة (١٩٥) وفيه: "توقّه إنه يأتيك"، وضمن أبيات في البدائع (٨١٨)، وفيه: "توقّه إنّه يرتدّ".
  2. (٢) س: "وذبحت" وفي حاشيتها أشير إلى هذه النسخة. وفيها أيضًا: "ذبيح ابن ذبيح". وفي ل: "مثل ذبيح بن ذبيح" وكلاهما تحريف.
  3. (٣) وسيأتي الكلام على فوائد غضّ البصر في ص (٤١٦).
353

﴿كَسَرَابٍ بِقِيعَةٍ يَحْسَبُهُ الظَّمْآنُ مَاءً حَتَّى إِذَا جَاءَهُ لَمْ يَجِدْهُ شَيْئًا وَوَجَدَ اللَّهَ عِنْدَهُ فَوَفَّاهُ حِسَابَهُ وَاللَّهُ سَرِيعُ الْحِسَابِ ٣٩﴾ [النور: ٣٩].

وأخسُّ الناس همّة وأوضعهم نفسًا من رضي من الحقائق بالأماني الكاذبة، واستجلبها١ لنفسه، وتحلّى بها، وهي -لعمر الله- رؤوس أموال المفلسين، ومتاجر البطّالين. وهي قوت النفس٢ الفارغة التي قد قنعت من الوصل بزَورة الخيال، ومن الحقائق بكواذب الآمال، كما قال الشاعر:

مُنىً إنْ تكن حقًّا تكن أحسن المُنَىوإلا فقد عِشْنا بها زمنًا رَغْدَا٣

وهي أضرُّ شيء على الإنسان، وتتولّد من العجز والكسل، وتولّد التفريط والحسرة والندم. والمتمنّي٤ لمّا فاته مباشرةُ الحقيقة بحسّه نحَتَ٥ صورتَها في قلبه، وعانقها، وضمّها إليه، فقنع بوصال صورةٍ وهميةٍ خياليّة٦ صوّرها فكرُه، وذلك لا يُجدي عليه شيئًا، وإنما مثله مثل الجائع والظمآن يصوّر في وهمه صورةَ الطعام والشراب، وهو يأكل ويشرب.

  1. (١) ف: "واستحلاها". ل: "واستحلها".
  2. (٢) ف: "قوت النفوس".
  3. (٣) لرجل من بني الحارث. شرح الحماسة للمرزوقي (١٤١٣). وهو محرف في س.
  4. (٤) ما عدا ف: "التمني".
  5. (٥) س، ل: "بجسمه تحت". و"تحت" تصحيف. وهي غير منقوطة في ز.
  6. (٦) ل، ز: "خالية"، تحريف.
354

الفهرس

البحث في الكتاب

    فهارس الكتاب

      القراءة

      حجم الخط
      21
      الخط
      المظهر
      العرض
      التشكيل
      التمييز بالألوان
      الحواشي
      الصفحة
      الصفحة الحالية

      مفاتيح: ← التالية · → السابقة · T الفهرس · / البحث · N الحواشي