الداء والدواء

والسكون إلى ذلك واستحلاؤه١ يدلّ على خساسة النفس ووضاعتها، وإنّما شرف النفس وزكاتها وطهارتها وعلوّها بأن ينفي عنها كلَّ خطرة لا حقيقة لها، ولا يرضى أن يخطرها بباله، ويأنف لنفسه منها.

ثمّ الخطراتُ بعدُ أقسامٌ تدور على أربعة أصول:

خطرات يستجلِب بها منافعَ دنياه.

وخطرات يستدفع بها مضارَّ دنياه.

وخطرات يستجلب بها مصالح٢ آخرته.

وخطرات يستدفع بها مضارّ آخرته.

فَلْيحصر٣ خطراته وأفكاره وهمومه في هذه الأقسام الأربعة. فإذا انحصرت له فيها٤، فما أمكن اجتماعه منها لم يتركه لغيره. وإذا تزاحمت عليه الخطرات لِتزاحُمِ متعلّقاتها قدّم الأهمَّ الذي يخشى فوته وأخّر الذي ليس بأهمَّ ولا يخاف٥ فوته.

بقي قسمان آخران: أحدهما مهمّ لا يفوت. والثاني غير مهمّ، ولكنه يفوت. ففي كلّ منهما ما يدعو إلى تقديمه، فهنا يقع التردد والحيرة. فإن قدّم المهمَّ خشي فواتَ ما دونه، وإن قدّم ما دونه فاته

  1. (١) ما عدا ف: "استجلابه".
  2. (٢) س: "منافع"، وفي حاشيتها: "خ مصالح".
  3. (٣) ف: "فليخطر". س، ل: "فليحضر".
  4. (٤) س: "انحضرت له منها".
  5. (٥) س: "ولا يخشى"، وفي حاشيتها: "خ لا يخاف".
355

الاشتغال به عن المهم.

وكذلك١ يعرض له أمران لا يمكن الجمع بينهما، ولا يحصل٢ أحدهما إلا بتفويت الآخر، فهذا موضع استعمال العقل٣ والفقه والمعرفة. ومن ها هنا ارتفع من ارتفِع، وأنجح من أنجح، وخاب من خاب. فأكثرُ من ترى ممن يعظِّم عقله ومعرفتَه يُؤثِرِ غيرَ المهمِّ الذي لا يفوت على المهمِّ الذي يفوت. ولا تجد أحدًا يسلَم من ذلك، ولكن مستقِلّ ومستكثِر.

والتحكيم في هذا الباب للقاعدة الكبرى التي عليها مدار الشرع والقدر، وإليها مرجع٤ الخلق والأمر، وهي إيثارُ أكبر المصلحتين وأعلاهما، وإن فاتت المصلحة التي هي دونها، والدخولُ في أدنى المفسدتين لدفع ما هو أكبر منها، فيفوّت مصلحة لتحصيل٥ ما هو أكبر منها، ويرتكب مفسدةً لدفع ما هو أعظم منها. فخطرات العاقل وفكَره لا تتجاوز٦ ذلك. وبذلك جاءت الشرائع، ومصالح الدنيا والآخرة لا تقوم٧ إلا على ذلك.

وأعلى الفِكَر وأجلّها وأنفعها ما كان لله والدار الآخرة. فما كان لله

  1. (١) س، ز: "ولذلك".
  2. (٢) ف: "ولا يتحصّل".
  3. (٣) س، ل: "اشتغال العقل".
  4. (٤) ما عدا ف: "يرجع".
  5. (٥) ما عدا س: "ليحصل".
  6. (٦) ف: "لا تجاوز". ل: "وفكرته لا تتجاوز". ز: "لا يتجاوز".
  7. (٧) ف: "ولا تقوم"، ولعله خطأ.
356

الفهرس

البحث في الكتاب

    فهارس الكتاب

      القراءة

      حجم الخط
      21
      الخط
      المظهر
      العرض
      التشكيل
      التمييز بالألوان
      الحواشي
      الصفحة
      الصفحة الحالية

      مفاتيح: ← التالية · → السابقة · T الفهرس · / البحث · N الحواشي