وكذلك١ يعرض له أمران لا يمكن الجمع بينهما، ولا يحصل٢ أحدهما إلا بتفويت الآخر، فهذا موضع استعمال العقل٣ والفقه والمعرفة. ومن ها هنا ارتفع من ارتفِع، وأنجح من أنجح، وخاب من خاب. فأكثرُ من ترى ممن يعظِّم عقله ومعرفتَه يُؤثِرِ غيرَ المهمِّ الذي لا يفوت على المهمِّ الذي يفوت. ولا تجد أحدًا يسلَم من ذلك، ولكن مستقِلّ ومستكثِر.
والتحكيم في هذا الباب للقاعدة الكبرى التي عليها مدار الشرع والقدر، وإليها مرجع٤ الخلق والأمر، وهي إيثارُ أكبر المصلحتين وأعلاهما، وإن فاتت المصلحة التي هي دونها، والدخولُ في أدنى المفسدتين لدفع ما هو أكبر منها، فيفوّت مصلحة لتحصيل٥ ما هو أكبر منها، ويرتكب مفسدةً لدفع ما هو أعظم منها. فخطرات العاقل وفكَره لا تتجاوز٦ ذلك. وبذلك جاءت الشرائع، ومصالح الدنيا والآخرة لا تقوم٧ إلا على ذلك.
وأعلى الفِكَر وأجلّها وأنفعها ما كان لله والدار الآخرة. فما كان لله
أحدها: الفكرة في آياته المنزلة، وتعقّلها١ وفهم مراده منها. ولذلك أنزلها الله تعالى، لا لمجرّد تلاوتها، بل التلاوة وسيلة. قال بعض السلف: أُنزِل القرآنُ لِيُعمَل به، فاتخذوا تلاوته عملًا٢.
الثاني: الفكرة في آياته المشهودة، والاعتبار بها، والاستدلال بها على أسمائه وصفاته، وحكمته وإحسانه، وبرّه وجوده. وقد حضّ الله سبحانه عباده على التفكر٣ في آياته وتدبّرها وتعقّلها، وذمّ الغافل عن ذلك.
الثالث: الفكرة في آلائه، وإحسانه، وإنعامه على خلقه بأصناف النعم، وسعة رحمته ومغفرته وحلمه.
وهذه الأنواع الثلاثة تستخرج من القلب معرفةَ الله، ومحبّتَه، وخوفه، ورجاءَه. ودوامُ الفكرة في ذلك مع الذكر يصبغ القلب في المعرفة والمحبة صبغة٤.
الرابع: الفكرة٥ في عيوب النفس وآفاتها وفي عيوب العمل. وهذه الفكرة عظيمة النفع، وهي بابٌ لكلّ خير، وتأثيرها في كسر النفس الأمّارة. ومتى كُسِرَتْ عاشت النفس المطمئنّة، وانتعشت، وصار
(١) ف، ل: "وتعلقها"، وكذلك فيما يأتي، وهو تحريف.
(٢) من كلام الحسن البصري. مدارج السالكين (١/ ٤٥١)، مفتاح دار السعادة (١/ ٥٥٥)، ربيع الأبرار.