أحدها: الفكرة في آياته المنزلة، وتعقّلها١ وفهم مراده منها. ولذلك أنزلها الله تعالى، لا لمجرّد تلاوتها، بل التلاوة وسيلة. قال بعض السلف: أُنزِل القرآنُ لِيُعمَل به، فاتخذوا تلاوته عملًا٢.
الثاني: الفكرة في آياته المشهودة، والاعتبار بها، والاستدلال بها على أسمائه وصفاته، وحكمته وإحسانه، وبرّه وجوده. وقد حضّ الله سبحانه عباده على التفكر٣ في آياته وتدبّرها وتعقّلها، وذمّ الغافل عن ذلك.
الثالث: الفكرة في آلائه، وإحسانه، وإنعامه على خلقه بأصناف النعم، وسعة رحمته ومغفرته وحلمه.
وهذه الأنواع الثلاثة تستخرج من القلب معرفةَ الله، ومحبّتَه، وخوفه، ورجاءَه. ودوامُ الفكرة في ذلك مع الذكر يصبغ القلب في المعرفة والمحبة صبغة٤.
الرابع: الفكرة٥ في عيوب النفس وآفاتها وفي عيوب العمل. وهذه الفكرة عظيمة النفع، وهي بابٌ لكلّ خير، وتأثيرها في كسر النفس الأمّارة. ومتى كُسِرَتْ عاشت النفس المطمئنّة، وانتعشت، وصار
(١) ف، ل: "وتعلقها"، وكذلك فيما يأتي، وهو تحريف.
(٢) من كلام الحسن البصري. مدارج السالكين (١/ ٤٥١)، مفتاح دار السعادة (١/ ٥٥٥)، ربيع الأبرار.
(٣) ف: "على الفكر"، وسقط منها "عباده".
(٤) كذا في جميع النسخ، وفي ط: "صبغة تامة".
(٥) "والمحبة … الفكرة" ساقط من ل.
الحكم لها، فحيِيَ القلب ودارت كلمته في مملكته، وبثّ أمراءه وجنوده في مصالحه.
الخامس: الفكرة في واجب الوقت ووظيفته، وجمع الهمّ كلّه عليه. فالعارف ابن وقته١، فإن أضاعه ضاعت عليه مصالحه كلُّها. فجميع المصالح إنما تنشأ من الوقت، وإن ضيّعه لم يستدركه أبدًا.
قال الشافعي: ﵁٢: صحبتُ الصوفية، فلم أستفد منهم سوى حرفين: أحدهما قولهم: الوقت سيف، فإنْ قطعته، وألّا قطعك٣. وذكر الكلمة الأخرى٤.
فوقت الإنسان هو٥ عمره في الحقيقة، وهو مادة حياته الأبدية في النعيم المقيم، ومادة معيشته الضّنْك في العذاب الأليم، وهو يمرّ أسرع
(١) في حاشية س أنّ في نسخة زيادة: "ويومه". وفي ز: "لزم وقته"، ولعله تغيير من ناسخ لم يعجبه هذا التعبير. وانظر في قولهم: "العارف ابن وقته" وتفسيره: مدارج السالكين (٣/ ٣٤١) وانظر أيضًا: (٣/ ١٢٨ - ١٣١)، ومفتاح دار السعادة (١/ ٣٠٥).
(٢) هذا في ل. وفي س: "رحمه الله تعالى ورضي عنه". ولم يرد شيء في ف، ز.
(٣) ف: "فإن لم تقطعه والّا قطعك". وكذا وقع في المدارج (٣/ ٤٩). وفي المدارج (٣/ ١٢٩) كما هنا.
(٤) وهي كما ذكرها المصنف في المدارج (٣/ ١٢٩): "ونفسك إن لم تشغلها بالحق وإلا شغلتك بالباطل". وموقع "وإلّا" في هذا التركيب خطأ تكرر في كتب المصنّف، والصواب حذفها. وقد زاد بعض ناشري كتابنا هذه الجملة هنا بعد إصلاحها: "ونفسك إن شغلتها بالحق وإلا شغلتك بالباطل". انظر: ط عبد الظاهر (٢٠٩) وط فايد (١٣٣) وغيرهما. (ص). انظر قول الشافعي في مناقب الشافعي للبيهقي (٢/ ٢٠٨). (ز).