أمنيّةٌ ظفرتْ نفسي بها زمنًاواليوم أحسَبها أضغاثَ أحلامِ١
واعلم أنّ ورود الخاطر لا يضرّ، وإنّما يضرّ استدعاؤه ومحادثته. فالخاطر كالمارّ على الطريق، فإنْ لم تستدعِه وتركتَه مرّ وانصرف عنك٢، وإن استدعيتَه سَحَرك بحديثه وخَدْعه وغروره. وهو أخفّ شيء على النفس الفارغة الباطلة، وأثقل شيء على القلب والنفس الشريفة السماوية المطمئنة.
وقد ركّب الله سبحانه في الإنسان نفسًا أمّارةً ونفسًا مطمئنّة، وهما متعاديتان، فكلُّ ما٣ خفّ على هذه ثَقُل على هذه، وكلّ ما التذّت به هذه تألّمت به الأخرى. فليس على النفس الأمّارة أشقُّ من العملِ لله، وإيثارِ رضاه على هواها؛ وليس لها أنفعُ منه. وليس على النفس المطمئنّة أشقُّ من العمل لغير الله، وإجابةِ٤ داعي الهوى؛ وليس عليها أضرُّ٥ منه. والملَك مع هذه عن يَمنةِ القلب، والشيطان مع تلك عن يَسْرةِ القلب. والحروب مستمرة لا تضع أوزارها إلى أن تستوفي أجلَها من الدنيا. والباطل كلّه يتحيّز مع الشيطان والأمّارة، والحقّ كلّه يتحيّز مع الملَك والمطمئنّة. والحروب دُوَل وسِجال، والنصر مع الصبر. ومن
= المحبين (٤٠٤) وفي مطبوعته: "في الحب".
(١) ف: "ظفرت قلبي"، وهو خطأ. والبيتان لابن الفارض في ديوانه (٢٠٧) وفيه: "ظفرت روحي" وفي البيت الأول: "ما قد رأيت".
(٢) "عنك" لم يرد في س.
(٣) ز: "وكلما".
(٤) س: "وما اجابه". ف: "وماجابه".
(٥) ف: "شيء أضرّ".
صَبَر، وصابرَ، ورابَطَ، واتّقى الله، فله١ العاقبة في الدنيا والآخرة٢. وقد حكم الله حكمًا لا يبدّل أبدًا أنّ العاقبة للتقوى، والعاقبة للمتقين٣.
فالقلب لوح فارغ، والخواطر نقوش تُنْقَش فيه، فكيف يليق بالعاقل أن تكون نقوش لوحه ما بين كذب، وغرور، وخدع، وأماني باطلة، وسراب لا حقيقة له؟ فأيّ حكمة وعلم وهدًى ينتقش مع٤ هذه النقوش؟ وإذا أراد أن ينتقش ذلك في لوح قلبه كان بمنزلة كتابة العلم النافع في محلٍّ مشغول بكتابة ما لا منفعة فيه. فإنْ لم يُفرِّغ القلبَ من الخواطر الرديّة لم يستقرّ فيه الخواطر النافعة، فإنّها لا تستقرّ إلا في محل فارغ، كما قيل:
أتاني هواها قبل أن أعرف الهوىفصادف قلبًا خاليًا فتمكّنا٥
ولهذا كثير من أرباب السلوك بنَوا سلوكهم٦ على حفظ الخواطر، وأن لا يمكّنوا خاطرًا يدخل قلوبهم، حتّى تصير القلوب فارغةً قابلةً للكشف وظهور حقائق العُلويّات٧ فيها.
وهؤلاء حفظوا شيئًا، وغابت عنهم أشياء، فإنّهم أخلَوا القلوب من
(١) ف: "فإنّ له".
(٢) يشير إلى الآية الكريمة (٢٠٠) من سورة آل عمران.
(٣) كما جاء في سورة الأعراف (١٢٨)، وهود (٤٩)، وطه (١٣٢) وغيرها.
(٤) س: "من".
(٥) بيت سائر نسبه المؤلف في روضة المحبين (٢٤٠) إلى قيس بن الملوّح وهو مجنون ليلى، وينسب إلى غيره. انظر ديوان المجنون (٢١٩).