صَبَر، وصابرَ، ورابَطَ، واتّقى الله، فله١ العاقبة في الدنيا والآخرة٢. وقد حكم الله حكمًا لا يبدّل أبدًا أنّ العاقبة للتقوى، والعاقبة للمتقين٣.
فالقلب لوح فارغ، والخواطر نقوش تُنْقَش فيه، فكيف يليق بالعاقل أن تكون نقوش لوحه ما بين كذب، وغرور، وخدع، وأماني باطلة، وسراب لا حقيقة له؟ فأيّ حكمة وعلم وهدًى ينتقش مع٤ هذه النقوش؟ وإذا أراد أن ينتقش ذلك في لوح قلبه كان بمنزلة كتابة العلم النافع في محلٍّ مشغول بكتابة ما لا منفعة فيه. فإنْ لم يُفرِّغ القلبَ من الخواطر الرديّة لم يستقرّ فيه الخواطر النافعة، فإنّها لا تستقرّ إلا في محل فارغ، كما قيل:
أتاني هواها قبل أن أعرف الهوىفصادف قلبًا خاليًا فتمكّنا٥
ولهذا كثير من أرباب السلوك بنَوا سلوكهم٦ على حفظ الخواطر، وأن لا يمكّنوا خاطرًا يدخل قلوبهم، حتّى تصير القلوب فارغةً قابلةً للكشف وظهور حقائق العُلويّات٧ فيها.
وهؤلاء حفظوا شيئًا، وغابت عنهم أشياء، فإنّهم أخلَوا القلوب من
(١) ف: "فإنّ له".
(٢) يشير إلى الآية الكريمة (٢٠٠) من سورة آل عمران.
(٣) كما جاء في سورة الأعراف (١٢٨)، وهود (٤٩)، وطه (١٣٢) وغيرها.
(٤) س: "من".
(٥) بيت سائر نسبه المؤلف في روضة المحبين (٢٤٠) إلى قيس بن الملوّح وهو مجنون ليلى، وينسب إلى غيره. انظر ديوان المجنون (٢١٩).
(٧) ف: "المعلومات". وفي حاشية س إشارة إلى هذه النسخة. وهي تحريف.
أن يطرقها خاطر، فبقيت فارغة لا شيء فيها، فصادفها الشيطان خاليةً، فبذر فيها الباطلَ في قوالب أوهمهم١ أنّها أعلى الأشياء وأشرفها، وعوّضهم بها عن الخواطر التي هي مادّة العلم والهدى. وإذا خلا القلب عن هذه الخواطر جاء الشيطان فوجد المحلَّ خاليًا، فشغله بما يناسب حال صاحبه، حيث لم يستطع أن يشغله بالخواطر السفلية، فشغله بإرادة التجريد والفراغ٢ من الإرادة التي لا صلاح للعبد ولا فلاح إلا بأن تكون هي المستولية على قلبه. وهي: إرادةُ مراد الله الديني٣ الأمري الذي يحبّه ويرضاه، وشَغلُ القلب٤ واهتمامه بمعرفته على التفصيل به، والقيام به وتنفيذه في الخلق، والطُّرُقِ إلى ذلك، والتوصّلِ إليه بالدخول في الخلق٥ لتنفيذه. فبَرْطَلَهم٦ الشيطانُ عن ذلك بأنْ دعاهم إلى تركه وتعطيله، من باب الزهد في خواطر الدنيا وأسبابها، وأوهمهم أنّ كمالهم في ذلك التجريد والفراغ. وهيهات٧!
إنّما الكمال في امتلاء القلب والسرّ من الخواطر والإرادات والفِكَر في تحصيل مراضي الربّ تعالى من العبد ومن الناس، والفكر في طرُق ذلك والتوصّل إليه. فأكمل الناس أكثرهم خواطر وفِكَرًا وإرادات لذلك، كما أنّ أنقصَ الناس أكثرُهم خواطر وفِكَرًا وإراداتٍ لحظوظه وهواه أين
(١) س: "أوهمها". وفي الحاشية إشارة إلى ما في غيرها.
(٢) من هنا إلى "التجريد والفراغ" الآتي سقط من س لانتقاد النظر.