أن يطرقها خاطر، فبقيت فارغة لا شيء فيها، فصادفها الشيطان خاليةً، فبذر فيها الباطلَ في قوالب أوهمهم١ أنّها أعلى الأشياء وأشرفها، وعوّضهم بها عن الخواطر التي هي مادّة العلم والهدى. وإذا خلا القلب عن هذه الخواطر جاء الشيطان فوجد المحلَّ خاليًا، فشغله بما يناسب حال صاحبه، حيث لم يستطع أن يشغله بالخواطر السفلية، فشغله بإرادة التجريد والفراغ٢ من الإرادة التي لا صلاح للعبد ولا فلاح إلا بأن تكون هي المستولية على قلبه. وهي: إرادةُ مراد الله الديني٣ الأمري الذي يحبّه ويرضاه، وشَغلُ القلب٤ واهتمامه بمعرفته على التفصيل به، والقيام به وتنفيذه في الخلق، والطُّرُقِ إلى ذلك، والتوصّلِ إليه بالدخول في الخلق٥ لتنفيذه. فبَرْطَلَهم٦ الشيطانُ عن ذلك بأنْ دعاهم إلى تركه وتعطيله، من باب الزهد في خواطر الدنيا وأسبابها، وأوهمهم أنّ كمالهم في ذلك التجريد والفراغ. وهيهات٧!
إنّما الكمال في امتلاء القلب والسرّ من الخواطر والإرادات والفِكَر في تحصيل مراضي الربّ تعالى من العبد ومن الناس، والفكر في طرُق ذلك والتوصّل إليه. فأكمل الناس أكثرهم خواطر وفِكَرًا وإرادات لذلك، كما أنّ أنقصَ الناس أكثرُهم خواطر وفِكَرًا وإراداتٍ لحظوظه وهواه أين
- (١) س: "أوهمها". وفي الحاشية إشارة إلى ما في غيرها.
- (٢) من هنا إلى "التجريد والفراغ" الآتي سقط من س لانتقاد النظر.
- (٣) "المديني" ساقط من ل.
- (٤) ل: "ويشغل القلب".
- (٥) "في الخلق" ساقط من ل.
- (٦) من برطله: رشاه. انظر أساس البلاغة (برطل).
- (٧) وانظر طريق الهجرتين (٣٨٠).