الداء والدواء

أن يطرقها خاطر، فبقيت فارغة لا شيء فيها، فصادفها الشيطان خاليةً، فبذر فيها الباطلَ في قوالب أوهمهم١ أنّها أعلى الأشياء وأشرفها، وعوّضهم بها عن الخواطر التي هي مادّة العلم والهدى. وإذا خلا القلب عن هذه الخواطر جاء الشيطان فوجد المحلَّ خاليًا، فشغله بما يناسب حال صاحبه، حيث لم يستطع أن يشغله بالخواطر السفلية، فشغله بإرادة التجريد والفراغ٢ من الإرادة التي لا صلاح للعبد ولا فلاح إلا بأن تكون هي المستولية على قلبه. وهي: إرادةُ مراد الله الديني٣ الأمري الذي يحبّه ويرضاه، وشَغلُ القلب٤ واهتمامه بمعرفته على التفصيل به، والقيام به وتنفيذه في الخلق، والطُّرُقِ إلى ذلك، والتوصّلِ إليه بالدخول في الخلق٥ لتنفيذه. فبَرْطَلَهم٦ الشيطانُ عن ذلك بأنْ دعاهم إلى تركه وتعطيله، من باب الزهد في خواطر الدنيا وأسبابها، وأوهمهم أنّ كمالهم في ذلك التجريد والفراغ. وهيهات٧!

إنّما الكمال في امتلاء القلب والسرّ من الخواطر والإرادات والفِكَر في تحصيل مراضي الربّ تعالى من العبد ومن الناس، والفكر في طرُق ذلك والتوصّل إليه. فأكمل الناس أكثرهم خواطر وفِكَرًا وإرادات لذلك، كما أنّ أنقصَ الناس أكثرُهم خواطر وفِكَرًا وإراداتٍ لحظوظه وهواه أين

  1. (١) س: "أوهمها". وفي الحاشية إشارة إلى ما في غيرها.
  2. (٢) من هنا إلى "التجريد والفراغ" الآتي سقط من س لانتقاد النظر.
  3. (٣) "المديني" ساقط من ل.
  4. (٤) ل: "ويشغل القلب".
  5. (٥) "في الخلق" ساقط من ل.
  6. (٦) من برطله: رشاه. انظر أساس البلاغة (برطل).
  7. (٧) وانظر طريق الهجرتين (٣٨٠).
362

كانت. والله المستعان.

وهذا عمر بن الخطاب كانت تتزاحم عليه الخواطر في مراضي الربّ تعالى، فربّما استعملها في صلاته، فكان يجهِّز١ جيشَه وهو في صلاته٢، فيكون قد جمع بين الجهاد والصلاة.

وهذا من باب تداخل العبادات في العبادة الواحدة. وهو باب عزيز شريف لا يعرفه٣ إلا صادق الطلب، متضلّع من العلم، عالي الهمة، بحيث يدخل في عبادة يظفر فيها بعبادات شتى٤. وذلك فضل الله يؤتيه من يشاء.

فصل

وأما اللفظات، فحفظها بأن لا يُخرِجَ لفظةً ضائعةً، بل لا يتكلّم إلا فيما يرجو فيه الربح والزيادة في دينه. فإذا أراد أن يتكلم بالكلمة نظر: هل فيها ربح وفائدة أم لا؟ فإنْ لم يكن فيها ربح أمسك عنها، وإن كان فيها ربح نظر: هل يفوته بها كلمة هي أربح منها، فلا يضيّعها بهذه.

وإذا أردت أن تستدلّ على ما في القلب، فاستدِلَّ عليه٥

  1. (١) س: "وكان تجهيز".
  2. (٢) ف: "عسكره وهو في الصلاة". وقد أخرجه البخاري تعليقًا في كتاب العمل في الصلاة، باب تفكر الرجل الشيء في الصلاة (ص ٢٣٩). (ص). ووصله ابن أبي شيبة في المصنف ٢/ ١٨٨ (٧٩٥١). وصحح إسناده الحافظ ابن حجر في الفتح (س/٩٠).
  3. (٣) ف: "لا يدخل منه".
  4. (٤) وانظر زاد المعاد (١/ ٢٥٠).
  5. (٥) "عليه" ساقط من س.
363

الفهرس

البحث في الكتاب

    فهارس الكتاب

      القراءة

      حجم الخط
      21
      الخط
      المظهر
      العرض
      التشكيل
      التمييز بالألوان
      الحواشي
      الصفحة
      الصفحة الحالية

      مفاتيح: ← التالية · → السابقة · T الفهرس · / البحث · N الحواشي