الداء والدواء

وأيسرُ١ حركات الجوارح حركةُ اللسان، وهي أضرُّها على العبد.

واختلف السلف والخلف هل يُكتَبُ جميع ما يلفظ به العبد، أو الخير والشرّ فقط٢؟ على قولين، أظهرهما الأول٣.

وقال بعض السلف٤: كلّ كلام ابن آدم عليه لا له، إلا ما كان من ذكر الله وما والاه.

وكان الصدّيق ﵁ يمسك بلسانه ويقول: هذا أوردني المواردَ٥.

والكلام أسيرك، فإذا خرج من فيك صرتَ أسيره. واللهُ عند لسان

  1. = ابن المبارك وروح وعيسى بن يونس كلهم عن الأوزاعي عن حسان بن عطية قال: بلغني أن شدّاد بن أوس كان في سفر فقال لغلامه فذكر نحوه. وزاد روح حديثًا مرفوعًا: "إذا كنز الناس الذهب والفضة فاكنزوا هؤلاء الكلمات: اللهم إني أسألك الثبات في الأمر … ".
    ورواه سويد بن عبد العزيز عن الأوزاعي عن حسان بن عطية عن أبي عبيد الله مسلم بن مشكم عن شداد فذكره. أخرجه ابن حبان في صحيحه (٩٣٥) وأبو نعيم في الحلية (١/ ٢٦٦). قلت: وسويد ضعيف، ورواية الجماعة أرجح لكنه منقطع، حسان بن عطية لم يسمع من شداد. وللحديث المرفوع طريق آخر. انظر تحقيق المسند (٢٨/ ٣٥٦).
  2. (١) ف: "أشرّ"، تصحيف.
  3. (٢) "فقط" ساقط من س.
  4. (٣) انظر تفسير الطبري (٢١/ ٤٢٤)، والمحرر الوجيز (٥/ ١٦٠)، ومجموع الفتاوى (٧/ ٤٩). وانظر مدارج السالكين (١/ ١١٤).
  5. (٤) ف: "وقال السلف". وسمّاه في المدارج (١/ ١١٥): "الحديث المشهور" (ص). لم أقف عليه (ز).
  6. (٥) تقدّم تخريجه ص (٩١).
374

كلّ قائل: ﴿مَا يَلْفِظُ مِنْ قَوْلٍ إِلَّا لَدَيْهِ رَقِيبٌ عَتِيدٌ ١٨﴾ [ق: ١٨].

وفي اللسان آفتان عظيمتان، إن خلص من إحداهما لم يخلص من الأخرى: آفة الكلام، وآفة السكوت. وقد يكون كلّ منهما أعظم إثمًا من الأخرى في وقتها. فالساكت عن الحقّ شيطان أخرس عاصٍ لله مُراءٍ مداهنٌ إذا لم يخف على نفسه١، والمتكلّم بالباطل شيطان ناطق عاصٍ لله. وأكثر الخلق منحرف في كلامه وسكوته، فهم بين هذين النوعين.

وأهل الوسط -وهم أهل الصراط المستقيم- كفّوا ألسنتهم عن الباطل، وأطلقوها فيما يعود عليهم نفعُه في الآخرة. فلا يرى أحدهم أنّه يتكلّم بكلمة تذهب عليه ضائعةً بلا منفعة، فضلًا عن٢ أن تضرّه في آخرته.

وإنّ العبد ليأتي يوم القيامة بحسناتٍ أمثالِ الجبال، فيجد لسانه قد هدمها عليه كلَّها؛ ويأتي بسيئات أمثال الجبال٣، فيجد لسانه قد هدمها من كثرة ذكر الله وما اتصل به.

فصل

وأما الخطوات:، فحفظها٤ بأن لا ينقل قدمه إلا فيما يرجو ثوابه، فإن لم يكن في خُطاه مزيدُ ثواب، فالقعود عنها خير له. ويمكنه أن

  1. (١) "عاص لله مراء … نفسه" ساقط من ل.
  2. (٢) "عن" من ف.
  3. (٣) ل: "مثل الجبال".
  4. (٤) ل: "فيحفظها".
375

الفهرس

البحث في الكتاب

    فهارس الكتاب

      القراءة

      حجم الخط
      21
      الخط
      المظهر
      العرض
      التشكيل
      التمييز بالألوان
      الحواشي
      الصفحة
      الصفحة الحالية

      مفاتيح: ← التالية · → السابقة · T الفهرس · / البحث · N الحواشي