وأيضًا فإنّ هذا ذنبٌ غالبُ ما يقع مع التراضي من الجانبين، ولا يقع فيه من العدوان والظلم والاغتصاب ما ينفّر النفوس منه، وفيها شهوة غالبة له، فتُصوِّر ذلك لنفسها، فيقوم بها رحمةٌ تمنع إقامة الحدّ.
وهذا كلّه من ضعف الإيمان. وكمالُ الإيمان أن يقوم به قوة يقيم بها١ أمرَ الله، ورحمة يرحم بها المحدود، فيكون موافقًا لربّه تعالى في٢ أمره ورحمته.
الثالث: أنه سبحانه أمر أن يكون حدّهما بمشهد من المؤمنين، فلا يكون خلوةً حيث لا يراهما أحد. وذلك أبلغ في مصلحة الحدّ وحكمة الزجر٣.
وحدّ الزاني المحصن مشتقّ من عقوبة الله سبحانه لقوم لوط بالقذف بالحجارة. وذلك لاشتراك الزنى واللواط في الفحش، وفي كلّ منهما فساد يناقض٤ حكمة الله في خلقه وأمره. فإنّ في اللواط من المفاسد ما يفوت الحصر٥ والتعداد. ولأنْ يُقتل المفعولُ به خير له من أن يُؤتى، فإنّه يَفسد فسادًا لا يرجى له بعده صلاح أبدًا. ويذهب خيره كلّه، وتمُصّ الأرض ماويّة الحياء٦ من وجهه، فلا يستحي بعد
(١) ف: "ضعف الإيمان أن يقوم قوة يقوم بها"، سقط وتحريف.
(٢) "في" ساقطة من ز.
(٣) س: "وحكمته الموجود"!
(٤) ف: "مناقض".
(٥) ف: "المفاسد تفويت الحصين"، تحريف.
(٦) ف: "ماوية وجهه". وكذا وردت "ماوية" في جميع النسخ. وقد ضرب بعضهم في ف على "وية" وكتب فوقها الهمزة، لتقرأ: "ماء وجهه" وكذا فعل بعضهم في خب. و"الماوية" كالمائية نسبة إلى الماء.
ذلك لا من الله ولا من خلقه، وتعمل في قلبه وروحه نطفة الفاعل ما يعمل السمّ في البدن١.
وقد اختلف الناس: هل يدخل الجنّةَ مفعول به؟ على قولين سمعتُ شيخ الإِسلام يحكيهما. والذين قالوا: لا يدخل الجنّة، احتجّوا بأمور: منها: أنّ النبي ﷺ قال: "لا يدخل الجنّة ولد زنية"٢. فإذا كان هذا حال ولد الزنى، مع أنه لا ذنب له في ذلك، ولكنّه مظنّة كل شرّ وخبث، وهو جدير أن لا يجيء منه خير أبدًا؛ لأنّه مخلوق من نطفة خبيثة، وإذا كان الجسد الذي تربّى على الحرام، النارُ أولى به، فكيف بالجسد المخلوق من النطفة الحرام؟
(١) الطرق الحكمية (١٣٨).
(٢) أخرجه أحمد ٣/ ٢٠٢ (٦٨٩٢) وابن حبان (٨/ رقم ٣٣٨٣) والنسائي في الكبرى (٤٩١٦) والطحاوي في شرح المشكل (٩١٤) من طريق الثوري وشيبان وجرير عن منصور عن سالم بن أبي الجعد عن جابان عن عبد الله بن عمرو مرفوعًا. ورواه شعبة عن منصور عن سالم عن نبيط بن شريط عن جابان عن عبد الله بن عمرو. أخرجه أحمد (٦٨٨٢) والنسائي في الكبرى (٤٩١٤) وابن حبان (٣٣٨٤) وغيرهم. قال النسائي: "لا نعلم أحدًا تابع شعبة على نبيط بن شريط". تحفة الأشراف (٦/ ٢٨٣). قال البخاري في تاريخه الكبير (٢/ ٢٥٧) بعد أن ذكر طريق شعبة: "ولم يصح، ولا يعرف لجابان سماع من عبد الله بن عمرو، ولا لسالم من جابان، ولا من نبيط". وقال ابن خزيمة: جابان مجهول. ورواه شعبة من طريق آخر عن ابن عمرو موقوفًا. أخرجه النسائي (٤٩١٧). ورواه مجاهد، وقد اختلف عليه كثيرًا. انظر تفصيل ذلك عند النسائي في الكبرى وعند أبي نعيم في الحلية (٣/ ٣٠٧ - ٣٠٩) وتحقيق المسند (١١/ ٤٧٣ - ٤٩٣،٤٧٤ - ٤٩٥).