قالوا: والمفعول به شرّ من ولد الزنى، وأخزى١، وأخبث، وأوقح٢. وهو جدير أن لا يوفَّق لخير، وأن يحال بينه وبينه، وكلّما عمل خيرًا قُيِّض ما يفسده عقوبةً له. وقلّ أن ترى من كان كذلك في صغره إلا وهو٣ في كبره شرّ٤ مما كان. ولا يوفّق لعلم نافع، ولا عمل صالح، ولا توبة نصوح.
والتحقيق في المسألة أن يقال: إن٥ تاب المبتلى بهذا البلاء، وأناب، ورُزق توبة نصوحًا وعملًا صالحًا، وكان في كبره خيرًا منه في صغره، وبدَّل سيئآته بحسنات، وغسل عارَ ذلك عنه بأنواع الطاعات والقربات، وغضّ بصره، وحفظ فرجه من المحرمات، وصدَق الله في معاملته = فهذا مغفور له، وهو من أهل الجنّة. فإنّ الله يغفر الذنوب جميعًا، وإذا كانت التوبة تمحو كلّ ذنب حتى الشرك بالله، وقتل أنبيائه وأوليائه، والسحر، والكفر، وغير ذلك، فلا تقصُر عن محو هذا الذنب٦.
وقد استقرّت حكمة الله به٧ عدلًا وفضلًا أنّ التائب من الذنب كمن
(١) زاد بعدها في ف: "وأقبح".
(٢) في ل: "أوسخ"، وأشير في حاشية س إلى هذه النسخة. ولم يرد "أوسخ" أو "أوقح" في ف.
(٣) س: "إلا هو".
(٤) "أشرّ".
(٥) س: "وإن". ف: "المسألة إن".
(٦) وانظر: مجموع الفتاوى (١٥/ ٤٠٨).
(٧) "به" لم ترد في ل، ز.
لا ذنب له١، وقد ضمن الله سبحانه لمن تاب من الشرك وقتل النفس٢ والزنى أنّه يبدّل سيئاتِه حسناتٍ٣. وهذا حكم عامّ لكلّ تائب من كلّ ذنب٤. وقد قال تعالى: ﴿قُلْ يَا عِبَادِيَ الَّذِينَ أَسْرَفُوا عَلَى أَنْفُسِهِمْ لَا تَقْنَطُوا مِنْ رَحْمَةِ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ يَغْفِرُ الذُّنُوبَ جَمِيعًا إِنَّهُ هُوَ الْغَفُورُ الرَّحِيمُ ٥٣﴾[الزمر: ٥٣]، فلا يخرج٥ من هذا العموم ذنب واحد. ولكن هذا في حقّ التائبين خاصة.
وأمّا مفعول به كان في كبره شرًّا مما كان في صغره، لم يوفَّق لتوبة نصوح ولا لعمل صالح، ولا استدرك ما فات، ولا أحيا ما أمات، ولا بدّل السيئات بالحسنات = فهذا بعيد أن يوفَّق عند الممات لخاتمةٍ يدخل بها الجنّة عقوبة له على عمله. فإنّ الله سبحانه يعاقب على السيئة بسيئة أخرى، فتتضاعف٦ عقوبة السيئات بعضها ببعض٧، كما يثيب على
(١) هذه المقولة وردت في أحاديث عن ابن مسعود وابن عباس وغيرهما، ولا يثبت منها شيء. وهي ثابتة عن التابعي الجليل عامر الشعبي، أخرجه وكيع في الزهد (٢٧٨). انظر تفصيل ذلك في تبييض الصحيفة بأصول الأحاديث الضعيفة (٥٧ - ٦٣).