أين الطريق إلى حمام مِنجاب؟ فقال: هذا حمام منجاب. فدخلت الدار، ودخل وراءها. فلمّا رأت نفسَها في داره، وعلمت أنّه قد خدعها، أظهرت له١ البشر والفرح باجتماعها معه، وقالت له: يصلح أن يكون معنا ما يطيب به عيشنا، وتقرَّ به عيوننا٢. فقال لها: الساعة آتيكِ بكلّ ما تريدين وتشتهين. وخرج، وتركها في الدار، ولم يغلقها. فأخذ ما يصلح، ورجع، فوجدها قد خرجت، وذهبت، ولم تخنه في شيء. فهام الرجل، وأكثر الذكرَ لها، وجعل يمشي٣ في الطرق والأزقّة ويقول٤:
يا رُبَّ قائلةٍ يومًا وقد تعبتكيف الطريق إلى حمّام مِنجاب
فبينا هو يومًا يقول ذلك، وإذا بجاريةٍ أجابته من طاق٥:
قَرْنانُ هلّا جعلتَ إذ ظفرتَ بهاحِرزًا على الدار أو قفلًا على الباب٦
فازداد هيمانه، واشتدّ هيجانه، ولم يزل على ذلك حتى كان هذا البيت آخر كلامه من الدنيا".
قال: "ويروى أن رجلًا٧ علِق شخصًا، فاشتدّ كلفه به، وتمكن
(١) "له" ساقطة من ف.
(٢) ف: "أعيننا". وفي ز: "تُصلح معنا ما نطيّب … ونقرّ … ".
(٣) ف: "فجعل يمرّ".
(٤) ف: "وهو يقول".
(٥) ف: "طاق تقول".
(٦) في س: "جعلت سريعًا إذ"، فإن صحت هذه الزيادة، فقولها: "قرنان" لا يكون جزءًا من البيت. والقَرنان: الديوث.
(٧) س: "شخصًا"، وفي حاشيتها: "خ رجلًا". وهذا الرجل أحمد بن كليب =
حبّه من قلبه، حتّى وقع لما به١، ولزم الفراش بسببه. وتمنّع ذلك الشخص عليه، واشتدّ نفاره عنه. فلم تزل الوسائط يمشون بينهما، حتّى وعده أن يعوده. فأُخبِرَ بذلك البائسُ، ففرح، واشتدّ سروره، وانجلى غمّه، وجعل ينتظره للميعاد الذي ضربه٢ له. فبينا هو كذلك، إذ جاءه الساعي بينهما، فقال: إنّه وصل معي إلى بعض الطريق، ورجع، فرغبت إليه، وكلّمته، فقال: إنّه ذكرني، وبرّح بي، ولا أدخل مداخل الريب، ولا أعرّض نفسي لمواقِع التهم. فعاودتُه، فأبى، وانصرف. فلمّا٣
سمع البائسُ أُسْقِط في يده، وعاد إلى أشدّ مما كان به٤، وبدت عليه علائم الموت. فجعل يقول في تلك الحال:
أسلَمُ، يا راحةَ العليلِويا شِفا المدنِف النحيلِ
= النحوي الشاعر صاحب أبي الحسن أسلم بن أحمد بن سعيد ابن قاضي الجماعة. والقصة أوردها الحميدي في جذوة المقتبس (١٤٣) من رواية ابن حزم. وانظر مصارع العشاق (١/ ٢٩٧)، ومعجم الأدباء (١/ ٤٢٢).
(١) كذا في جميع النسخ. وقولهم: "هو لما به" أو "أنا لما بي" تعبير عن حالة مبرّحة من شدّة المرض أو الكرب وهو شائع في كلام المتقدمين. ومن ذلك قول مصقلة بن هبيرة لما سئل عن معاوية ﵁: "زعمتم أنّه لما به، والله لقد غمزني غمزةَ كاد يحطمني … " (زهر الآداب ١/ ٥٠). وفي روضة المحبين (٤٨٤): "وقيل لبثينة: هذا جميل لما به. فهل عندك من حيلة تنفسين بها وجده". ومنه قول ابن زيدون (ديوانه: ٥٠): الله يعلم أنّي … أصبحتُ فيكِ لما بي وقد أشكلت العبارة على ناشري الكتاب، فغيروها إلى: "ألمًا به".