الداء والدواء
رضاك أشهى إلى فؤاديمن رحمة الخالق الجليلِ١

فقلت له: يا فلان٢، اتّق الله. قال: قد كان. فقمتُ عنه، فما جاوزتُ باب داره، حتى سمعتُ ضجّةَ الموت٣.

فعياذًا بالله من سوء العاقبة، وشؤم الخاتمة"٤.

"ولقد بكى سفيان الثوري ليلةً إلى الصباح، فلما أصبح قيل له: كلُّ هذا خوفًا من الذنوب؟ فأخذ تِبْنةً من الأرض، وقال: الذنوب أهون من هذا، وإنّما أبكي من خوف الخاتمة٥ "٦.

وهذا من أعظم الفقه: أن يخاف الرجل أن تخذله ذنوبه عند الموت، فتحول بينه وبين الخاتمة بالحسنى.

وقد ذكر الإِمام أحمد٧ عن أبي الدرداء أنّه لما احتُضِر جعل يُغمى

  1. (١) ف: "حبّك أشهى".
  2. (٢) ز: "له فلان".
  3. (٣) ز: "صيحة الموت".
  4. (٤) العاقبة (١٨٠).
  5. (٥) ل: "أبكي خوف الخاتمة".
  6. (٦) العاقبة (١٧٥).
  7. (٧) في الزهد، وليس في المطبوعة. ومن طريقه أخرجه أبو نعيم في الحلية (١/ ١٧) والبيهقي في الشعب (١٥١٨٤) وغيرهما قال الإِمام أحمد: ثنا الوليد بن مسلم حدثني ابن جابر عن إسماعيل بن عبيد الله عن أم الدرداء فذكره.
    وأخرجه أبو داود في الزهد (٢١٢) من طريق الوليد بن مسلم به.
    وأخرجه ابن المبارك في الزهد (٣٢) وابن أبي شيبة (٣٤٥٩٦) وابن أبي الدنيا في المحتضرين (١٢٦) وابن عساكر في تاريخه (٤٧/ ١٩٧، ١٩٨) وغيرهم من طريق ابن المبارك عن ابن جابر به بمثله. وهو ثابت صحيح.
390

عليه، ثم يفيق ويقرأ: ﴿وَنُقَلِّبُ أَفْئِدَتَهُمْ وَأَبْصَارَهُمْ كَمَا لَمْ يُؤْمِنُوا بِهِ أَوَّلَ مَرَّةٍ وَنَذَرُهُمْ فِي طُغْيَانِهِمْ يَعْمَهُونَ ١١٠﴾ [الأنعام: ١١٠]. فمِن هذا خاف السلف من الذنوب أن تكون حجابًا بينهم وبيّن الخاتمة بالحسنى.

قال١: "واعلم أنّ سوء الخاتمة -أعاذنا الله منها- لا تكون لمن استقام ظاهره، وصلح باطنه، ما سمع بهذا ولا علم به، ولله الحمد. وإنّما تكون لمن له فساد في العقيدة٢، أو إصرار على الكبائر، وإقدام على العظائم. فربّما غلب ذلك عليه، حتى ينزل به الموت قبل التوبة، فيأخذه قبل إصلاح الطوِيّة، ويُصطلَم٣ قبل الإنابة، فيظفر به الشيطان عند تلك الصدمة، ويختطفه عند تلك الدهشة. والعياذ بالله".

قال: "ويروى أنّه كان بمصر رجل يلزم مسجدًا للأذان والصلاة٤، وعليه بهاء الطاعة وأنوار العبادة، فرقي يومًا المنارةَ على عادته للأذان، وكان تحت المنارة دار لنصراني، فاطّلع فيها، فرأى ابنة صاحب الدار، فافتتن بها، فترك الأذان ونزل إليها، ودخل الدار عليها، فقالت له: ما شأنك؟ وما تريد؟ قال: أريدكِ. قالت: لماذا؟ قال: قد سَبَيتِ لُبِّي، وأخذتِ بمجامع قلبي. قالت: لا أجيبك إلى ريبة٥ أبدًا. قال: أتزوجك. قالت: أنت مسلم، وأنا نصرانية، وأبي لا يزوجني منك. قال لها: أتنصّر. قالت: إن فعلت أفعل. فتنصّر الرجل

  1. (١) يعني عبد الحق الإشبيلي. انظر كتاب العاقبة (١٨١).
  2. (٢) ف: "العقائد". ز: "العقد".
  3. (٣) من اصطلمه الموت أو العدوّ: استأصله.
  4. (٤) س: "يلازم المسجد … ". ف: "يأوي مسجدًا للصلاة والأذان".
  5. (٥) س: "زنية".
391

الفهرس

البحث في الكتاب

    فهارس الكتاب

      القراءة

      حجم الخط
      21
      الخط
      المظهر
      العرض
      التشكيل
      التمييز بالألوان
      الحواشي
      الصفحة
      الصفحة الحالية

      مفاتيح: ← التالية · → السابقة · T الفهرس · / البحث · N الحواشي