الداء والدواء

عليه١ بما لا يمكن حصرُ فسادِه، ولا يَعلم تفصيلَه إلا الله.

ثم أكّد قبحَ ذلك بأنّ اللوطية عكسوا فطرة الله التي فطر عليها الرجال، وقلبوا الطبيعة التي ركّبها الله في الذكور، وهي شهوة النساء دون شهوة الذكور. فقلبوا الأمر، وعكسوا الفطرة والطبيعة، فأتوا

الرجال شهوةَ من دون النساء٢. ولهذا قلَب الله سبحانه عليهم ديارَهم، فجعل عاليها سافلها. وكذلك قُلِبوا هم ونُكسُوا٣ في العذاب على رؤوسهم٤.

ثم أكّد سبحانه قبح ذلك بأنْ حكم عليهم بالإسراف، وهو مجاوزة الحدّ، فقال: ﴿بَلْ أَنْتُمْ قَوْمٌ مُسْرِفُونَ ٨١﴾ [الأعراف: ٨١].

فتأمّلْ هل جاء ذلك أو قريبًا منه في الزنى؟ وأكد سبحانه ذلك عليهم بقوله: ﴿وَنَجَّيْنَاهُ مِنَ الْقَرْيَةِ الَّتِي كَانَتْ تَعْمَلُ الْخَبَائِثَ﴾ [الأنبياء: ٧٤] ". ثم أكد عليهم الذمّ بوصفين في غاية القبح، فقال: ﴿إِنَّهُمْ كَانُوا قَوْمَ سَوْءٍ فَاسِقِينَ ٧٤﴾.

وسمّاهم "مفسدين" في قول نبيّهم: ﴿رَبِّ انْصُرْنِي عَلَى الْقَوْمِ الْمُفْسِدِينَ ٣٠﴾ [العنكبوت: ٣٠]. وسمّاهم "ظالمين" في قول الملائكة لإبراهيم: ﴿إِنَّا مُهْلِكُو أَهْلِ هَذِهِ الْقَرْيَةِ إِنَّ أَهْلَهَا كَانُوا ظَالِمِينَ ٣١﴾ [العنكبوت: ٣١].

  1. (١) أي تزيد عليه. وفي ف: "عليها". والكلمة ساقطة من ل.
  2. (٢) "دون شهوة … النساء" ساقط من س.
  3. (٣) س: "قلبوا ونكسوا".
  4. (٤) "ثم كد قبح ذلك … رؤوسهم" ساقط من ز.
401

فتأمّلْ من عوقب بمثل هذه العقوبات، ومن ذمّه الله١ بمثل هذه المذمّات! ولمّا جادل فيهم خليلُه إبراهيمُ الملائكةَ، وقد أخبروه بإهلاكهم، قيل له: ﴿يَا إِبْرَاهِيمُ أَعْرِضْ عَنْ هَذَا إِنَّهُ قَدْ جَاءَ أَمْرُ رَبِّكَ وَإِنَّهُمْ آتِيهِمْ عَذَابٌ غَيْرُ مَرْدُودٍ ٧٦﴾ [هود: ٧٦].

وتأمَّلْ خبثَ اللوطية وفرط تمرّدهم على الله، حيث٢ جاؤوا نبيهم لوطًا لمّا سمعوا بأنّه قد طَرَقَه أضيافٌ هم من أحسن البشر صورًا، فأقبل اللوطية إليه٣ يهرولون. فلما رآهم قال لهم: ﴿يَا قَوْمِ هَؤُلَاءِ بَنَاتِي هُنَّ أَطْهَرُ لَكُمْ﴾ [هود: ٧٨]، ففدى أضيافه ببناته، يزوّجهم بهنّ، خوفًا على نفسه وأضيافه من العار الشديد، فقال: ﴿يَا قَوْمِ هَؤُلَاءِ بَنَاتِي هُنَّ أَطْهَرُ لَكُمْ فَاتَّقُوا اللَّهَ وَلَا تُخْزُونِ فِي ضَيْفِي أَلَيْسَ مِنْكُمْ رَجُلٌ رَشِيدٌ ٧٨﴾ [هود: ٧٨]، فردّوا عليه، ولكن ردَّ جبّارٍ عنيدٍ: ﴿لَقَدْ عَلِمْتَ مَا لَنَا فِي بَنَاتِكَ مِنْ حَقٍّ وَإِنَّكَ لَتَعْلَمُ مَا نُرِيدُ ٧٩﴾ [هود: ٧٩]. فنفث نبيُّ الله نفثةَ مصدور، وخرجَتْ من قلب مكروب عميد٤، فقال: ﴿لَوْ أَنَّ لِي بِكُمْ قُوَّةً أَوْ آوِي إِلَى رُكْنٍ شَدِيدٍ ٨٠﴾ [هود: ٨٠]. فنفّس له رُسُل الله، وكشفوا له عن حقيقة الحال، وأعلموه أنّهم ليسوا٥ ممّن يُوصَل إليهم ولا إليه بسببهم، فلا تخف منهم، ولا تعبأ بهم، وهوِّنْ عليك، فقالوا: ﴿قَالُوا يَا لُوطُ إِنَّا رُسُلُ رَبِّكَ لَنْ يَصِلُوا إِلَيْكَ﴾ [هود: ٨١]، وبشّروه بما جاؤوا به من الوعد له، ولقومه من الوعيد المصيب، فقالوا: ﴿فَأَسْرِ بِأَهْلِكَ بِقِطْعٍ مِنَ اللَّيْلِ وَلَا يَلْتَفِتْ مِنْكُمْ أَحَدٌ إِلَّا امْرَأَتَكَ إِنَّهُ مُصِيبُهَا مَا أَصَابَهُمْ

  1. (١) زاد في س: "عليه"، وهو خطأ.
  2. (٢) ز: "حين".
  3. (٣) لم يرد "إليه" في س.
  4. (٤) العميد: الشديد الحزن.
  5. (٥) ل: "أنه ليس".
402

الفهرس

البحث في الكتاب

    فهارس الكتاب

      القراءة

      حجم الخط
      21
      الخط
      المظهر
      العرض
      التشكيل
      التمييز بالألوان
      الحواشي
      الصفحة
      الصفحة الحالية

      مفاتيح: ← التالية · → السابقة · T الفهرس · / البحث · N الحواشي