الداء والدواء

إِنَّ مَوْعِدَهُمُ الصُّبْحُ﴾١ [هود: ٨١]. فاستبطأ نبي الله موعدَ هلاكهم٢، وقال: أريد أعجل من هذا، فقالت الملائكة: ﴿أَلَيْسَ الصُّبْحُ بِقَرِيبٍ ٨١﴾.

فوالله ما كان بين هلاك أعداء الله ونجاة نبيّه وأوليائه إلا ما بين السحر وطلوع الفجر، وإذا بديارهم قد اقتُلِعت من أصولها، ورُفعت نحو السماء، حتى سمعت الملائكة نباح الكلاب ونهيق الحمير. فبرز

المرسوم الذي لا يُردّ من عند الربّ الجليل إلى عبده ورسوله جبريل بأن يقلبها عليهم، كما أخبر به في محكم التنزيل، فقال عزّ من قائل: ﴿فَلَمَّا جَاءَ أَمْرُنَا جَعَلْنَا عَالِيَهَا سَافِلَهَا وَأَمْطَرْنَا عَلَيْهَا حِجَارَةً مِنْ سِجِّيلٍ﴾ [هود: ٨٢].

فجعلهم آيةً للعالمين، وموعظة للمتقين، ونكالًا وسلَفًا لمن شاركهم في أعمالهم من المجرمين، وجعل ديارهم بطريق السالكين. ﴿إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَاتٍ لِلْمُتَوَسِّمِينَ ٧٥ وَإِنَّهَا لَبِسَبِيلٍ مُقِيمٍ ٧٦ إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَةً لِلْمُؤْمِنِينَ ٧٧﴾ [الحجر: ٧٥ - ٧٧].

أخذهم على غِرّةٍ وهم نائمون، وجاءهم بأسُه وهم في سكرتهم يعمهون، فما أغنى عنهم ما كانوا يكسبون، فانقلبت٣ تلك اللذات آلامًا فأصبحوا بها يعذَّبون:

  1. (١) وردت الآية في جميع النسخ والطبعات التي بين يدي بتكملتها الآتية فيما بعد، ولعله سهو من النسّاخ، فإن إثباتها هنا مخالف للسياق.
  2. (٢) ل: "أمر موعد هلاكهم".
  3. (٣) ز: "تقلبت".
403
مآربُ كانت في الحياة لأهلهاعِذابًا فصارت في الممات عَذابا١

ذهبت اللذّات، وأعقبت الحسرات. وانقضت الشهوة، وأورثت الشقوة. تمتّعوا قليلًا، وعُذِّبوا طويلًا. رتَعوا مرتعًا وخيمًا، فأعقبهم عذابًا أليمًا. أسكرتهم خمرة تلك الشهوة، فما استفاقوا منها إلا في ديار

المعذَّبين. وأرقدتهم تلك الغفلة، فما استيقظوا إلا وهم في منازل الهالكين. فندموا واللهِ أشدَّ الندامة حين لا ينفع الندم. وبكوا على ما أسلفوه بدل الدموع بالدم.

فلو رأيت الأعلى والأسفل من هذه الطائفة، والنار تخرج من منافذ وجوههم وأبدانهم، وهم بين أطباق الجحيم، وهم يشربون بدل لذيذ الشراب كؤوس الحميم، ويقال لهم، وهم على وجوههم يسحبون: ﴿ذُوقُوا مَا كُنْتُمْ تَكْسِبُونَ ٢٤﴾ [الزمر: ٢٤]، ﴿اصْلَوْهَا فَاصْبِرُوا أَوْ لَا تَصْبِرُوا سَوَاءٌ عَلَيْكُمْ إِنَّمَا تُجْزَوْنَ مَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ ١٦﴾ [الطور: ١٦].

ولقد قرّب الله سبحانه مسافة العذاب بين هذه الأمة وبيّن إخوانهم في العمل، فقال مخوِّفًا لهم أن يقع الوعيد: ﴿وَمَا هِيَ مِنَ الظَّالِمِينَ بِبَعِيدٍ ٨٣﴾ [هود: ٨٣].

فيا ناكحي الذُّكرانِ يهنيكم البشرىفيومَ معادِ الناس إنّ لكم أجرا
كلوا واشربوا وازنُوا ولوطوا وأبشِروافإنكمُ زَفًّا إلى الجنّة الحمرا٢
  1. (١) ف: "في المعاد" مكان "في الممات". وسيأتي مرة أخرى في ص (٥٤٨).
    وقد أنشده المؤلف في طريق الهجرتين (١١٩)، وروضة المحبين (٦٣٢)، والفوائد (٤٦) وفيها: "كانت في الشباب … فصارت في المشيب".
  2. (٢) زفًّا: أي تُزَفّون. وفي ف: "فإنّ لكم"، ولعله مغيّر.
404

الفهرس

البحث في الكتاب

    فهارس الكتاب

      القراءة

      حجم الخط
      21
      الخط
      المظهر
      العرض
      التشكيل
      التمييز بالألوان
      الحواشي
      الصفحة
      الصفحة الحالية

      مفاتيح: ← التالية · → السابقة · T الفهرس · / البحث · N الحواشي