الداء والدواء
مآربُ كانت في الحياة لأهلهاعِذابًا فصارت في الممات عَذابا١

ذهبت اللذّات، وأعقبت الحسرات. وانقضت الشهوة، وأورثت الشقوة. تمتّعوا قليلًا، وعُذِّبوا طويلًا. رتَعوا مرتعًا وخيمًا، فأعقبهم عذابًا أليمًا. أسكرتهم خمرة تلك الشهوة، فما استفاقوا منها إلا في ديار

المعذَّبين. وأرقدتهم تلك الغفلة، فما استيقظوا إلا وهم في منازل الهالكين. فندموا واللهِ أشدَّ الندامة حين لا ينفع الندم. وبكوا على ما أسلفوه بدل الدموع بالدم.

فلو رأيت الأعلى والأسفل من هذه الطائفة، والنار تخرج من منافذ وجوههم وأبدانهم، وهم بين أطباق الجحيم، وهم يشربون بدل لذيذ الشراب كؤوس الحميم، ويقال لهم، وهم على وجوههم يسحبون: ﴿ذُوقُوا مَا كُنْتُمْ تَكْسِبُونَ ٢٤﴾ [الزمر: ٢٤]، ﴿اصْلَوْهَا فَاصْبِرُوا أَوْ لَا تَصْبِرُوا سَوَاءٌ عَلَيْكُمْ إِنَّمَا تُجْزَوْنَ مَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ ١٦﴾ [الطور: ١٦].

ولقد قرّب الله سبحانه مسافة العذاب بين هذه الأمة وبيّن إخوانهم في العمل، فقال مخوِّفًا لهم أن يقع الوعيد: ﴿وَمَا هِيَ مِنَ الظَّالِمِينَ بِبَعِيدٍ ٨٣﴾ [هود: ٨٣].

فيا ناكحي الذُّكرانِ يهنيكم البشرىفيومَ معادِ الناس إنّ لكم أجرا
كلوا واشربوا وازنُوا ولوطوا وأبشِروافإنكمُ زَفًّا إلى الجنّة الحمرا٢
  1. (١) ف: "في المعاد" مكان "في الممات". وسيأتي مرة أخرى في ص (٥٤٨).
    وقد أنشده المؤلف في طريق الهجرتين (١١٩)، وروضة المحبين (٦٣٢)، والفوائد (٤٦) وفيها: "كانت في الشباب … فصارت في المشيب".
  2. (٢) زفًّا: أي تُزَفّون. وفي ف: "فإنّ لكم"، ولعله مغيّر.
404
فإخوانكم قد مهّدوا الدارَ قبلكموقالوا: إلينا عجِّلوا لكم١ البشرى
وها نحن أسلاف لكم في انتظاركمسيجمعنا الجبَّارُ في ناره الكبرى٢
ولا تحسَبوا أنّ الذين نكحتمُيغيبون عنكم بل ترونهمُ جَهْرا
ويلعن كلٌّ منكمُ لخليلهويشقَى به المحزونُ في الكرّة الأخرى
يعذَّب كلٌّ منهمُ بشريكهكما اشتركا في لذّةٍ تُوجِب الوِزْرا

فصل في الأجوبة عما احتجّ به من جعل عقوبة هذه الفاحشة دون عقوبة الزنى

أما قولهم: إنّها معصية لم يجعل الله فيها حدًّا معيّنًا، فجوابه من وجوه:

أحدها: أنّ المبلِّغ عن الله جعل حدَّ صاحبها القتلَ حتمًا، وما شرعه رسول الله ﷺ فإنّما شرعه عن الله. فإنْ أردتم أنّ حدّها غير معلوم بالشرع فهو باطل، وإن أردتم أنّه غير ثابت بنصّ الكتاب لم يلزم من ذلك انتفاء حكمه لثبوته بالسنّة.

الثاني: أنّ هذا ينتقض عليكم بالرجم، فإنّه إنما ثبت بالسنّة.

فإن قلتم: بل ثبت بقرآن نُسِخَ لفظه وبقي حكمه، قلنا: فينتقض عليكم بحدّ شارب الخمر.

الثالث: أن نفي دليل معيّن لا يستلزم نفيَ مطلق الدليل ولا نفيَ

  1. (١) ت: "فقالوا".
  2. (٢) ل، ز: "أسلافًا". ف: "سيجمعنا الرحمن".
405

الفهرس

البحث في الكتاب

    فهارس الكتاب

      القراءة

      حجم الخط
      21
      الخط
      المظهر
      العرض
      التشكيل
      التمييز بالألوان
      الحواشي
      الصفحة
      الصفحة الحالية

      مفاتيح: ← التالية · → السابقة · T الفهرس · / البحث · N الحواشي