الداء والدواء
فإخوانكم قد مهّدوا الدارَ قبلكموقالوا: إلينا عجِّلوا لكم١ البشرى
وها نحن أسلاف لكم في انتظاركمسيجمعنا الجبَّارُ في ناره الكبرى٢
ولا تحسَبوا أنّ الذين نكحتمُيغيبون عنكم بل ترونهمُ جَهْرا
ويلعن كلٌّ منكمُ لخليلهويشقَى به المحزونُ في الكرّة الأخرى
يعذَّب كلٌّ منهمُ بشريكهكما اشتركا في لذّةٍ تُوجِب الوِزْرا

فصل في الأجوبة عما احتجّ به من جعل عقوبة هذه الفاحشة دون عقوبة الزنى

أما قولهم: إنّها معصية لم يجعل الله فيها حدًّا معيّنًا، فجوابه من وجوه:

أحدها: أنّ المبلِّغ عن الله جعل حدَّ صاحبها القتلَ حتمًا، وما شرعه رسول الله ﷺ فإنّما شرعه عن الله. فإنْ أردتم أنّ حدّها غير معلوم بالشرع فهو باطل، وإن أردتم أنّه غير ثابت بنصّ الكتاب لم يلزم من ذلك انتفاء حكمه لثبوته بالسنّة.

الثاني: أنّ هذا ينتقض عليكم بالرجم، فإنّه إنما ثبت بالسنّة.

فإن قلتم: بل ثبت بقرآن نُسِخَ لفظه وبقي حكمه، قلنا: فينتقض عليكم بحدّ شارب الخمر.

الثالث: أن نفي دليل معيّن لا يستلزم نفيَ مطلق الدليل ولا نفيَ

  1. (١) ت: "فقالوا".
  2. (٢) ل، ز: "أسلافًا". ف: "سيجمعنا الرحمن".
405

المدلول، فكيف وقد قدّمنا أنّ الدليل الذي نفيتموه غير منتفٍ؟

وأمّا قولكم: إنه وطء في محل لا تشتهيه الطباع، بل ركّب الله الطباع على النفرة منه، فهو كوطء الميتة والبهيمة، فجوابه من وجوه: أحدها: أنّه قياس فاسد الاعتبار، مردود بسنّة رسول الله ﷺ وإجماع الصحابة، كما تقدّم بيانه.

الثاني: أنّ قياس وطء الأمرد الجميل الذي فتنتُه تُربي على كلّ فتنة١، على وطء أتانٍ أو امرأة ميتة، من أفسدِ القياس. وهل تغزّل أحد قطّ بأتان أو بقرة أو ميتة، أو سبى ذلك عقلَ عاشق، أو أسَرَ قلبه، أو استولى على فكره ونفسه؟ فليس في القياس أفسد من هذا.

الثالث: أنّ هذا منتقض بوطء الأمّ والبنت والأخت، فإنّ النفرة الطبيعية عنه حاصلة، مع أنّ الحدّ فيه من أغلظ الحدود في أحد القولين، وهو القتل بكل حال محصنا كان أو غير محصن. وهذا إحدى

الروايتين٢ عن الإِمام أحمد، وهو قول إسحاق بن راهويه وجماعة من أهل الحديث.

وقد روى أبو داود٣ من حديث البراء بن عازب قال: لقيتُ عمّي

  1. (١) س: "من كل فتنة"، خطأ.
  2. (٢) ف: "وهو … ". س: "أحد الروايتين".
  3. (٣) برقم ٤٤٥٧. وأخرجه النسائي (٣٣٣٢) وابن الجارود (٦٨١) والدارمي (٢٢٨٥) وغيرهم من طريق زيد بن أبي أنيسة عن عدي بن ثابت عن يزيد بن البراء عن أبيه فذكره.
    ورواه السدّي وأشعث بن سوار -وقد اختلف عليه- والربيع بن الركين وغيرهم عن عدي عن البراء عن خاله فذكره، بإسقاط (يزيد بن البراء). أخرجه =
406

الفهرس

البحث في الكتاب

    فهارس الكتاب

      القراءة

      حجم الخط
      21
      الخط
      المظهر
      العرض
      التشكيل
      التمييز بالألوان
      الحواشي
      الصفحة
      الصفحة الحالية

      مفاتيح: ← التالية · → السابقة · T الفهرس · / البحث · N الحواشي