ولا ريب أنّ الزاجر الطبعي عن إتيان البهيمة أقوى من الزاجر الطبعي١ عن التلوّط، وليس الأمران في طباع الناس سواء، فإلحاق أحدهما بالآخر من أفسد القياس، كما تقدم.
فصل
وأما قياسكم وطءَ الرجل لمثله على تدالُك المرأتين، فمن أفسَدِ القياس، إذ لا إيلاج هناك، وإنما نظيره مباشرة الرجل الرجل من غير إيلاج، على أنه قد جاء في بعض الآثار المرفوعة: "إذا أتت المرأة المرأة فهما زانيتان"٢، ولكن لا يجب الحدّ بذلك لعدم الإيلاج، وإن أُطلِق
= عليه". ورواه أبو حنيفة عن عاصم بن عمر عن أبي رزين عن ابن عباس فذكر مثله. أخرجه النسائي في الكبرى (٧٣٤١) والطحاوي في شرح المشكل (٩/ ٤٤٠) وقال: "هذا غير صحيح، وعاصم بن عمر ضعيف في الحديث". الصواب رواية الجماعة. وعاصم هو ابن بهدلة كما جاء مصرّحًا به في رواية الثوري وأبي الأحوص وأبي عوانة. والأثر حسن الإسناد. وبهذا الأثر أعلّه البخاري والترمذي وأبو داود والطحاوي.
(١) "عن إتيان … الطبعي" ساقط من ف.
(٢) أخرجه الآجري في ذم اللواط (١٧) مختصرًا والبيهقي في الكبرى (٨/ ٢٣٣) من طريق محمَّد بن عبد الرحمن عن خالد الحذاء عن ابن سيرين عن أبي موسى مرفوعًا فذكره. وأوله: "إذا أتى الرجلُ الرجلَ فهما زانيان … ". قال البيهقي: "ومحمد بن عبد الرحمن هذا لا أعرفه، وهو منكر بهذا الإسناد". قال ابن التركماني معقّبًا على البيهقي: "قلت: هو معروف يقال له المقدسي القشيري، روى عن … ذكره ابن أبي حاتم في كتابه [الجرح ٧/ ٣٢٥] وقال: ذكره البخاري. وسألت أبي عنه فقال: متروك الحديث، كان يكذب ويفتعل =
عليهما اسم الزنى العامّ، كزنى العين واليد والرجل والفم.
إذا ثبت هذا فأجمع المسلمون على أنّ حكم التلوط مع المملوك كحكمه مع غيره. ومن ظنّ أنّ تلوط الإنسان بمملوكه جائز، واحتجّ على ذلك بقوله تعالى: ﴿إِلَّا عَلَى أَزْوَاجِهِمْ أَوْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُهُمْ فَإِنَّهُمْ غَيْرُ مَلُومِينَ ٣٠﴾[المعارج: ٣٠] وقاس ذلك على أمته المملوكة، فهو كافر يُستتاب، كما يستتاب المرتد. فإنْ تاب وإلا ضُربت عنقه. وتلوط الإنسان بمملوكه كتلوطه بمملوك غيره في الإثم والحكم.
فصل
فإن قيل: وهل١ مع ذلك كله من دواءٍ لهذا الداء العُضال، ورقيةٍ لهذا السحر القتّال؟ وما الاحتيال لدفع هذا الخبال؟
= الحديث". وله طريق آخر ذكره البخاري في تاريخه (٢/ ٨١) وابن أبي حاتم في مقدمة الجرح (١/ ٣٤٢). وأخرجه الآجري في ذم اللواط (١٦) والطبراني في الأوسط ٣/ ١٥٣ (٤١٥٧) والخطيب في تالي تلخيص المتشابه (٢٦٨) من طريق أبي داود الطيالسي عن بشر بن الفضل عن أبيه عن خالد الحذاء عن أنس بن سيرين عن أبي يحيى عن أبي موسى مرفوعًا: "لا تباشر المرأة المرأة إلا وهما زانيتان … ". قال الطبراني: "لا يروى هذا الحديث عن أبي موسى إلا بهذا الإسناد، تفرد به أبو داود. وأبو يحيى الذي روى عنه أنس بن سيرين في هذا الحديث هو معبد بن سيرين". قلت: وقع عند الآجري: "عن أبي يحيى المعرقب". واسمه مصدع. وثقه العجلي، ولم يعرفه ابن معين وتكلم فيه ابن حبان في المجروحين (٣/ ٣٩). وقال ابن حجر: مقبول. تهذيب الكمال (٢٨/ ١٥). والحديث لا يصح. فيه بشر بن الفضل بن الوليد العيزار. قال الأزدي: مجهول.