الداء والدواء

أنزل له دواءً. علمه من علمه، وجهله من جهله"١.

والكلام في دواء هذا الداء من طريقين:

أحدهما: حَسْم مادّته قبل حصولها.

والثاني: قلعها بعد نزولها.

وكلاهما يسير على من يسّره الله عليه، ومتعذّر على من لم يُعِنْه، فإنّ أزِمّة الأمور بيديه.

فأمّا الطريق المانع من حصول هذا الداء، فأمران:

أحدهما: غضّ البصر٢، كما تقدّم، فإنّ النظرة سهم مسموم من سهام إبليس. ومَن أطلق لحظاتِه دامت حسراتُه. وفي غضّ البصر عدّة منافع، وهو بعض أجزاء هذا الدواء النافع٣.

أحدها: أنّه امتثال لأمر الله الذي هو غاية سعادة العبد في معاشه ومعاده، فليس للعبد في دنياه وآخرته أنفع من امتثال أوامر ربّه ﵎. وما سَعِدَ من سَعِدَ في الدنيا والآخرة إلا بامتثال أوامره٤، وما شقي من شقي في الدنيا والآخرة إلا بتضييع أوامره.

الثانية: أنه يمتنع من وصول أثر السهم المسموم الذي لعلّ فيه هلاكه

  1. (١) تقدّم في أول الكتاب.
  2. (٢) والثاني سيأتي في الفصل القادم.
  3. (٣) "وهو بعض … النافع" انفردت بها نسخة ف. وانظر في فوائد غض البصر: روضة المحبين (١٩٤ - ٢٥٢)، وإغاثة اللهفان (١٠٣ - ١٠٦). وانظر ما سبق في آفات النظر في ص (٣٤٨).
  4. (٤) ز: "أوامر ربه".
415

إلى قلبه.

الثالثة: أنّه يورث القلب أنسًا بالله وجمعية على الله، فإنّ إطلاق البصر يفرّق القلب، ويشتّته، ويُبعده من الله. وليس على العبد شيء أضرّ من إطلاق البصر، فإنّه يوقع الوحشة بين العبد وبيّن ربه.

الرابعة: أنه يقوّي القلب ويفرحه، كما أنّ إطلاق البصر يضعفه ويحزنه.

الخامسة: أنه يُكسب القلب نورًا، كما أنّ إطلاقه يكسبه١ ظلمة.

ولهذا ذكر سبحانه آية النور عقيب الأمم بغضّ البصر فقال: ﴿قُلْ لِلْمُؤْمِنِينَ يَغُضُّوا مِنْ أَبْصَارِهِمْ وَيَحْفَظُوا فُرُوجَهُمْ﴾ [النور: ٣٠]. ثم قال٢ إثر ذلك: ﴿اللَّهُ نُورُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ مَثَلُ نُورِهِ كَمِشْكَاةٍ فِيهَا مِصْبَاحٌ﴾ [النور: ٣٥] أي: مثل نوره في قلب عبده المؤمن الذي امتثل أوامره واجتنب نواهيه.

وإذا استنار القلب أقبلت٣ وفود الخيرات إليه من كلّ ناحية، كما أنّه إذا أظلم أقبلت سحائب البلاء والشرّ عليه من كل مكان. فما شئتَ من بدع وضلالة، واتّباع هوى، واجتناب هدى، وإعراض عن أسباب السعادة، واشتغال بأسباب الشقاوة! فإنّ ذلك إنّما يكشفه له النور الذي في القلب، فإذا فُقِد٤ ذلك النور بقي صاحبه كالأعمى الذي

  1. (١) ف: "يلبسه".
  2. (٢) "قال" ساقط من ف.
  3. (٣) ف: "أقبل".
  4. (٤) س: "نفد"، وفي حاشيتها: "خ فقد".
416

الفهرس

البحث في الكتاب

    فهارس الكتاب

      القراءة

      حجم الخط
      21
      الخط
      المظهر
      العرض
      التشكيل
      التمييز بالألوان
      الحواشي
      الصفحة
      الصفحة الحالية

      مفاتيح: ← التالية · → السابقة · T الفهرس · / البحث · N الحواشي