الداء والدواء

ببصيرة القلب١.

وضدّ هذا ما وصف الله به اللوطية من العمَه الذي هو ضدّ البصيرة، فقال تعالى: ﴿لَعَمْرُكَ إِنَّهُمْ لَفِي سَكْرَتِهِمْ يَعْمَهُونَ ٧٢﴾ [الحجر: ٧٢]، فوصفهم بالسكرة التي هي فساد العقل، والعَمَه الذي هو فساد البصيرة.

فالتعلّق بالصور يوجب فساد العقل٢، وعَمَه البصيرة، وسُكْر القلب٣، كما قال القائل:

سُكْرانِ سُكرُ هوًى وسُكرُ مُدامةٍومتى إفاقةُ مَن به سُكرانِ٤؟

وقال الآخر٥:

قالوا جُنِنتَ بمن تهوى فقلتُ لهمالعشقُ أعظم ممّا بالمجانينِ
العشق لا يستفيق الدهرَ صاحبُهوإنّما يُصرَع المجنونُ في الحين٦
  1. (١) ف: "لا تنال إلا ببصيرة القلب".
  2. (٢) "والعمه الذي هو فساد … العقل" ساقط من س.
  3. (٣) ز: "سكرة القلب".
  4. (٤) من أبيات للخليع الشامي، في يتيمة الدهر (١/ ٢٧١)، وفيه: "أنّى يفيق فتًى به سكران". وقد أنشده المؤلف في التبيان (٢٧٣)، وروضة المحبين (٢٠٣)، والمدارج (٣/ ٣٠٨).
  5. (٥) س: "آخر".
  6. (٦) أنشدهما المؤلف في روضة المحبين (١٣٠، ٢٩٢)، ونقلهما في إغاثة اللهفان (٨٧٣) من اعتلال القلوب للخرائطي. وقد نسبهما في الروضة (٢٤٢) إلى قيس، وهو مجنون ليلى، كما في الأغاني (٢/ ٣٢)، ومصارع العشاق (١/ ١٢٦، ٢/ ١٨١). وانظر ديوانه (٢١٨). والرواية: "قالت جننت على رأسي فقلت لها الحب … " وفي البيت الثاني: "الحب ليس يفيق … " وكذا في الاعتلال (٣٧٧)، إلا أن فيه "العشق" مكان "الحب".
418

السابعة: أنّه يورث القلب ثباتًا وشجاعةً وقوةً، فيجمع الله له بين سلطان البصيرة والحجة وسلطان القدرة والقوة، كما في الأثر: الذي يخالف هواه يفرَق الشيطان١ من ظلّه٢.

وضدّ هذا٣ تجد في٤ المتّبع لهواه من ذلّ النفس ووضاعتها ومهانتها وخِسّتها وحقارتها ما جعله الله سبحانه فيمن عصاه، كما قال الحسن: إنّهم وإن طقطقت بهم البغال٥، وهَمْلَجَتْ بهم البراذين، إنّ ذُلّ المعصية في رقابهم. أبى الله إلا أن يُذِلّ من عصاه٦.

وقد جعل الله سبحانه العزّ قرين طاعته، والذلّ قرين معصيته، فقال تعالى: ﴿وَلِلَّهِ الْعِزَّةُ وَلِرَسُولِهِ وَلِلْمُؤْمِنِينَ﴾ [المنافقون: ٨] وقال: ﴿وَلَا تَهِنُوا وَلَا تَحْزَنُوا وَأَنْتُمُ الْأَعْلَوْنَ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ ١٣٩﴾ [آل عمران: ١٣٩]. والإيمان قول وعمل، ظاهر وباطن.

وقال تعالى: ﴿مَنْ كَانَ يُرِيدُ الْعِزَّةَ فَلِلَّهِ الْعِزَّةُ جَمِيعًا إِلَيْهِ يَصْعَدُ الْكَلِمُ الطَّيِّبُ وَالْعَمَلُ الصَّالِحُ يَرْفَعُهُ﴾ [فاطر: ١٠]. أي: من كان يريد العزة فليطلبها بطاعة الله وذكرِه من الكلم الطيب والعمل الصالح.

  1. (١) ز: "السلطان"، تحريف.
  2. (٢) أخرجه أبو نعيم في الحلية (٤/ ٦٠) عن وهب بن منبه قال: "من جعل شهوته تحت قدمه فزع الشيطان من ظله". وأخرجه أيضًا (٢/ ٣٦٥) عن مالك بن دينار قال: "من غلب شهوة الحياة الدنيا فذلك الذي يفرق الشيطان من ظله".
  3. (٣) ف: "وضده".
  4. (٤) "تجد في" ساقط من ل.
  5. (٥) ف: "النعال"، تصحيف.
  6. (٦) تقدم تخريجه في ص (١٤٦).
419

الفهرس

البحث في الكتاب

    فهارس الكتاب

      القراءة

      حجم الخط
      21
      الخط
      المظهر
      العرض
      التشكيل
      التمييز بالألوان
      الحواشي
      الصفحة
      الصفحة الحالية

      مفاتيح: ← التالية · → السابقة · T الفهرس · / البحث · N الحواشي