الداء والدواء

وفي دعاء القنوت: "إنّه لا يذِلّ من واليتَ، ولا يعِزّ من عاديتَ"١. ومن أطاع الله فقد والاه فيما أطاعه فيه، وله من العزّ بحسب طاعته. ومن عصاه فقد عاداه فيما عصاه فيه، وله من الذلّ بحسب معصيته.

الثامنة: أنه يسدّ على الشيطان مدخله إلى القلب، فإنّه يدخل مع النظرة، وينفذ معها إلى القلب أسرع من نفوذ الهواء في المكان الخالي، فيمثّل له حسنَ٢ صورة المنظور إليه، ويزيّنها، ويجعلها صنمًا يعكف عليه القلب. ثم٣ يَعِدُه، ويمنّيه، ويوقد على القلب نار الشهوة، ويلقي عليه٤ حطب المعاصي التي لم يكن يتوصّل إليها بدون تلك الصورة، فيصير القلب في اللهيب٥. فمن ذلك اللهيب٦ تلك الأنفاسُ التي يجد

  1. (١) أخرجه أبو داود (١٤٢٥، ١٤٢٦) وابن ماجه (١١٧٨) والترمذي (٤٦٤) وأحمد ١/ ١٩٩، ٢٥٠ (١٧١٨، ١٧٢١) وابن خزيمة (١٠٩٥) وابن الجارود (٢٧٢) والبيهقي (٢/ ٢٠٩) وغيرهم من طريق أبي إسحاق السبيعي ويونس بن أبي إسحاق والعلاء بن صالح عن بُرَيد بن أبي مريم عن أبي الحوراء عن الحسن بن علي فذكره.
    وخالفهم شعبة فرواه عن بريد بن أبي مريم به مثله ولم يذكر "في الوتر".
    أخرجه أحمد ١/ ٢٠٠ (١٧٢٣) وابن خزيمة (١٠٩٦) وابن حبان (٧٢٢) وغيرهم.
    والحديث صحيح إلا أن ابن خزيمة طعن في لفظة "في الوتر" أو "في قنوت الوتر"، فليراجع كلامه في صحيحه (١٠٩٦).
  2. (٢) "حسن" من س.
  3. (٣) "ثم" ساقطة من ل.
  4. (٤) ف: "عليها".
  5. (٥) ل: "اللهب".
  6. (٦) ف، ل: "اللهب".
420

فيها وهج النار، وتلك الزفَراتُ والحُرُقاتُ. فإنّ القلب قد أحاطت به النيران من كلّ جانب، فهو١ في وسطها كالشاة في وسط التنّور.

ولهذا كانت عقوبة أصحاب الشهوات للصور المحرّمة٢ أن جُعِل لهم في البرزخ تنّور٣ من نار، وأودعت أرواحهم فيه إلى يوم حشر أجسادهم، كما أراه الله تعالى لنبيّه ﷺ في المنام في الحديث المتفق على صحته٤.

التاسعة: أنّه يُفرغ القلب للفكرة في مصالحه والاشتغال بها، وإطلاقُ البصر يشتّته عن ذلك، ويحول بينه وبينه، فينفرط٥ عليه أموره، ويقع في اتّباع هواه وفي الغفلة عن ذكر ربه. قال تعالى: وَلَا تُطِعْ مَنْ أَغْفَلْنَا قَلْبَهُ عَنْ ذِكْرِنَا وَاتَّبَعَ هَوَاهُ وَكَانَ أَمْرُهُ فُرُطًا (٢٨)﴾ [الكهف: ٢٨]. وإطلاق النظر يوجب هذه الأمور الثلاثة بحسبه.

العاشرة: أنّ بين العين والقلب منفذًا وطريقًا يوجب انفعال أحدهما عن الآخر، وأن يصلح بصلاحه ويفسد بفساده. فإذا٦ فسد القلب فسد النظر، وإذا فسد النظر فسد القلب. وكذلك في جانب الصلاح٧، فإذا خربت العين وفسدت خرب القلب وفسد، وصار كالمزبلة التي

  1. (١) س: "فهي"، خطأ. ز: "فهو".
  2. (٢) ف: "والصور المحرمة".
  3. (٣) ف: "تنورًا".
  4. (٤) تقدم في ص (١٥٤).
  5. (٥) ف، ل: "فيفرط". ز: "فيتفرّط".
  6. (٦) ف: "وإذا".
  7. (٧) ف: "صلاح العين".
421

الفهرس

البحث في الكتاب

    فهارس الكتاب

      القراءة

      حجم الخط
      21
      الخط
      المظهر
      العرض
      التشكيل
      التمييز بالألوان
      الحواشي
      الصفحة
      الصفحة الحالية

      مفاتيح: ← التالية · → السابقة · T الفهرس · / البحث · N الحواشي