هي محلّ١ النجاسات والقاذورات والأوساخ، فلا يصلح لسكنى معرفة الله ومحبته والإنابة إليه والإنس به والسرور بقربه فيه، وإنّما يسكن فيه أضداد ذلك.
فهذه إشارة إلى بعض فوائد غضّ البصر تُطْلِعك على ما وراءها.
فصل
الثاني٢: اشتغال القلب بما يصدّه عن ذلك، ويحول بينه وبيّن الوقوع فيه. وهو٣ إمّا خوفٌ مقلِق، أو حبٌّ مزعِج. فمتى خلا القلب من خوف ما فواتُه أضرُّ عليه من حصول هذا المحبوب، أو خوفِ ما حصولُه أضرُّ عليه من ذوات هذا المحبوب٤، أو محبةِ ما هو أنفع له وخير له من هذا المحبوب وفواتُه أضرّ عليه من فوات هذا المحبوب = لم يجد بدًّا من عشق الصور.
وشرح هذا أنّ النفس لا تترك محبوبًا إلا لمحبوب أعلى منه، أو خشية مكروهٍ حصولُه أضرّ عليها من فوات هذا المحبوب. وهذا يحتاج صاحبه إلى أمرين إن فُقِدا أو أحدهما لم ينتفع بنفسه:
أحدهما: بصيرة صحيحة يفرّق بها بين درجات المحبوب والمكروه، فيؤثر أعلى المحبوبَين على أدناهما، ويحتمل أدنى
(١) ز: "محمل".
(٢) يعني: الأمر الثاني المانع من حصول داء العشق.
(٣) "وهو" ساقط من ف.
(٤) ف، ز: "ذوات المحبوب". وقد سقط من ل: "أو خوف ما حصوله … المحبوب".
المكروهَين ليخلص من أعلاهما. وهذا خاصّة العقل، ولا يعدّ عاقلًا من كان بضدّ ذلك، بل قد تكون البهائم أحسن حالًا منه.
الثاني: قوة عزم وصبر يتمكن بها من هذا الفعل والترك. فكثيرًا ما يعرف١ الرجل قدر التفاوت، ولكن يأبى له ضعفُ نفسه وهمته وعزيمته على إيثار الأنفع، من جشعه وحرصه ووضاعة نفسه وخسّة همته. ومثل هذا لا ينتفع بنفسه، ولا ينتفع به غيره.
وقد منع الله سبحانه إمامة الدين إلا من أهل الصبر واليقين، فقال تعالى وبقوله يهتدي المهتدون: ﴿وَجَعَلْنَا مِنْهُمْ أَئِمَّةً يَهْدُونَ بِأَمْرِنَا لَمَّا صَبَرُوا وَكَانُوا بِآيَاتِنَا يُوقِنُونَ ٢٤﴾٢[السجدة: ٢٤].
وهذا هو الذي ينتفع بعلمه٣، وينتفع به٤ الناس. وضدّه لا ينتفع بعلمه، ولا ينتفع٥ به غيره. ومن الناس من ينتفع بعلمه في نفسه، ولا ينتفع به غيره٦. فالأول يمشي في نوره ويمشي الناس في نوره. والثاني قد طفئ نوره فهو يمشي في الظلمات ومن تبعه في ظلمته. والثالث يمشي في نوره وحده.
(١) س: "يعلم".
(٢) من س. وفي النسخ الأخرى: "وجعلناهم أئمة … "، وهو سهو والتباس بالآية الكريمة ٧٣ من سورة الأنبياء.