الداء والدواء

فصل

إذا عرفت هذه المقدمة، فلا يمكن أن يجتمع في القلب١ حبّ المحبوب الأعلى وعشق الصور أبدًا، بل هما ضدّان لا يتلاقيان، بل لابدّ أن يُخرج أحدهما صاحبه. فمن كانت قوة حبه كلّها للمحبوب الأعلى الذي محبة ما سواه باطلة وعذاب على صاحبها، صَرَفه ذلك عن محبة ما سواه. وإن أحبّه٢ لم يحبَّه إلا لأجله ولكونه وسيلةً له إلى محبته، أو قاطعًا له عمّا يضادّ محبته وينقضها٣.

والمحبة الصادقة تقتضي توحيد المحبوب، وأن لا يشرك٤ بينه وبيّن غيره في محبته. وإذا كان المحبوب من الخلق يأنف ويغار أن يُشرِكَ محِبُّه غيرَه٥ في محبته، ويمقته لذلك٦، ويُبعده، ولا يُحظيه بقربه، ويعدّه كاذبًا في دعوى محبته، مع أنّه ليس أهلًا لصرف قوة المحبة إليه، فكيف بالحبيب الأعلى الذي لا تنبغي المحبة إلا له وحده، وكلّ محبة لغيره فهي عذاب على صاحبها ووبال؟ ولهذا لا يغفر الله سبحانه أن يشرَك به في هذه المحبة، ويغفر ما دون ذلك لمن يشاء.

فمحبة الصور تفوّت محبةَ٧ ما هو أنفع للعبد منها، بل٨ تفوّت

  1. (١) ف: "للقلب".
  2. (٢) س: "فإذا".
  3. (٣) ف، ل: "ينقصها".
  4. (٤) ف: "ولا يشرك".
  5. (٥) س، ف: "محبة غيره". تصحيف.
  6. (٦) س: "كذلك"، تحريف.
  7. (٧) كلمة "محبة" ساقطة من ز.
  8. (٨) "تفوت … بل" ساقط من ل.
424

محبة ما ليس له صلاح ولا نعيم ولا حياة نافعة إلا بمحبته١ وحده. فليختر إحدى المحبَّتَين، فإنهما لا تجتمعان في القلب ولا ترتفعان منه. بل من أعرض عن محبة الله وذكره والشوق إلى لقائه ابتلاه بمحبة غيره، فيعذّبه بها في الدنيا وفي البرزخ وفي الآخرة. فإمّا أن يعذّبه بمحبة الأوثان، أو بمحبة الصُّلبان، أو بمحبة النيران، أو محبة المُرْدان، أو محبة النسوان، أو محبة الأثمان٢، أو محبة العُشراء والخلّان٣، أو محبة٤ ما دون ذلك مما هو في غاية الحقارة والهوان، فالإنسان عبد محبوبه كائنًا ما كان! كما قيل:

أنت القتيل بكلّ من أحببتَهفاختر لنفسك في الهوى من تصطفي٥

فمن لم يكن إلهُه٦ مالكَه ومولاه، كان إلهه هواه. قال تعالى: ﴿أَفَرَأَيْتَ مَنِ اتَّخَذَ إِلَهَهُ هَوَاهُ وَأَضَلَّهُ اللَّهُ عَلَى عِلْمٍ وَخَتَمَ عَلَى سَمْعِهِ وَقَلْبِهِ وَجَعَلَ عَلَى بَصَرِهِ غِشَاوَةً فَمَنْ يَهْدِيهِ مِنْ بَعْدِ اللَّهِ أَفَلَا تَذَكَّرُونَ ٢٣﴾ [الجاثية: ٢٣].

  1. (١) ز: "لمحبته".
  2. (٢) "أو محبة الأثمان" ساقط من س. وفي ف: "أو بمحبة الإنسان".
  3. (٣) ف: "العشران أو محبة الخلآن". وتحت "العشران" فيها حاشية لم يظهر في التصوير منها إلا: "جمع عشير".
  4. (٤) اضطربت النسخ في إثبات "محبة" أو "بمحبة"، وقد جاءت ثماني مرات. وقد اتبعنا نسخة س. أما غيرها، فقد وردت في ف بالباء في المواضع الستة الأولى، وفي ل، ز في الموضع الأول فقط.
  5. (٥) لابن الفارض في ديوانه (١٥١)، وقد أنشده المؤلف في تهذيب السنن (٦/ ١٨١)، وبدائع الفوائد (٦٧٢)، وروضة المحبين (١٦٢، ٥٦٨) أيضًا.
  6. (٦) ف: "الله".
425

الفهرس

البحث في الكتاب

    فهارس الكتاب

      القراءة

      حجم الخط
      21
      الخط
      المظهر
      العرض
      التشكيل
      التمييز بالألوان
      الحواشي
      الصفحة
      الصفحة الحالية

      مفاتيح: ← التالية · → السابقة · T الفهرس · / البحث · N الحواشي