الداء والدواء

محبة ما ليس له صلاح ولا نعيم ولا حياة نافعة إلا بمحبته١ وحده. فليختر إحدى المحبَّتَين، فإنهما لا تجتمعان في القلب ولا ترتفعان منه. بل من أعرض عن محبة الله وذكره والشوق إلى لقائه ابتلاه بمحبة غيره، فيعذّبه بها في الدنيا وفي البرزخ وفي الآخرة. فإمّا أن يعذّبه بمحبة الأوثان، أو بمحبة الصُّلبان، أو بمحبة النيران، أو محبة المُرْدان، أو محبة النسوان، أو محبة الأثمان٢، أو محبة العُشراء والخلّان٣، أو محبة٤ ما دون ذلك مما هو في غاية الحقارة والهوان، فالإنسان عبد محبوبه كائنًا ما كان! كما قيل:

أنت القتيل بكلّ من أحببتَهفاختر لنفسك في الهوى من تصطفي٥

فمن لم يكن إلهُه٦ مالكَه ومولاه، كان إلهه هواه. قال تعالى: ﴿أَفَرَأَيْتَ مَنِ اتَّخَذَ إِلَهَهُ هَوَاهُ وَأَضَلَّهُ اللَّهُ عَلَى عِلْمٍ وَخَتَمَ عَلَى سَمْعِهِ وَقَلْبِهِ وَجَعَلَ عَلَى بَصَرِهِ غِشَاوَةً فَمَنْ يَهْدِيهِ مِنْ بَعْدِ اللَّهِ أَفَلَا تَذَكَّرُونَ ٢٣﴾ [الجاثية: ٢٣].

  1. (١) ز: "لمحبته".
  2. (٢) "أو محبة الأثمان" ساقط من س. وفي ف: "أو بمحبة الإنسان".
  3. (٣) ف: "العشران أو محبة الخلآن". وتحت "العشران" فيها حاشية لم يظهر في التصوير منها إلا: "جمع عشير".
  4. (٤) اضطربت النسخ في إثبات "محبة" أو "بمحبة"، وقد جاءت ثماني مرات. وقد اتبعنا نسخة س. أما غيرها، فقد وردت في ف بالباء في المواضع الستة الأولى، وفي ل، ز في الموضع الأول فقط.
  5. (٥) لابن الفارض في ديوانه (١٥١)، وقد أنشده المؤلف في تهذيب السنن (٦/ ١٨١)، وبدائع الفوائد (٦٧٢)، وروضة المحبين (١٦٢، ٥٦٨) أيضًا.
  6. (٦) ف: "الله".
425

فصل

وخاصية التعبّد١: الحبّ مع الخضوع والذلّ للمحبوب، فمن أحبّ شيئًا وخضع له فقد تعبد قلبه له. بل التعبّد آخر مراتب الحبّ، ويقال له التتيّم أيضًا٢. فإنّ أول مراتبه: العلاقة، وسميت "علاقة " لتعلّق القلب٣ بالمحبوب. قال٤:

وعُلِّقتُ ليلى وَهْيَ ذات تمائمولم يبدُ للأتراب من ثديها حَجْمُ٥

وقال آخر٦:

أعلاقةً أمَّ الوُلَيِّدِ بعد ماأفنانُ رأسكَ كالثَّغام المُخْلِسِ٧

ثم بعدها الصبابة، وسمّيت بذلك لانصباب القلب إلى المحبوب.

  1. (١) ز: "وخاصة التعبد". س: "وخاصية تعبد".
  2. (٢) عقد المؤلف في مدارج السالكين (٣/ ٢٧) فصلًا في مراتب المحبة، وذكر عشر مراتب، أولها العلاقة، وآخرها الخُلّة. وانظر في أسماء الحب واشتقاقها روضة المحبين (٩٥).
  3. (٣) من ش، وكذا في بدائع الفوائد (٥٢٩)، وروضة المحبين (١٥٢)، ومدارج السالكين (٣/ ٢٧) وفي النسخ الأخرى: "لتعلق المحب".
  4. (٤) ف: "قال بعضهم".
  5. (٥) لمجنون ليلى في الأغاني (٢/ ١٣) وغيره. انظر ديوانه (١٨٦).
  6. (٦) ف، ل: "الآخر". وفي ز ورد البيت الآتي بعد السابق دون فاصل.
  7. (٧) أنشده المصنف في البدائع (٢٥٦، ٥٢٩)، والروضة (١٠٢)، والمدارج (٣/ ٢٧). وهو للمرّار بن سعيد الفقعسي. انظر خزانة الأدب (١١/ ٢٣٢). وفي ف: "بعيد ما". الثغام: نبات أبيض الثمر والزهر، يشبّه به الشيب. المخلِس: الذي بعضه هائج وبعضه أخضر. شبّه به شعره الشميط، وهو الذي اختلط بياضه بالسواد.
426

الفهرس

البحث في الكتاب

    فهارس الكتاب

      القراءة

      حجم الخط
      21
      الخط
      المظهر
      العرض
      التشكيل
      التمييز بالألوان
      الحواشي
      الصفحة
      الصفحة الحالية

      مفاتيح: ← التالية · → السابقة · T الفهرس · / البحث · N الحواشي