الداء والدواء

حديث عمار بن ياسر أنه١ صلّى صلاةً فأوجز فيها، فقيل له في ذلك، فقال: أمَا٢ إنّي دعوتُ فيها بدعَواتٍ كان النبي ﷺ يدعو بهنّ: "اللهم إنّي أسألك بعلمك الغيب وقدرتك على الخلق، أحْيني إذا كانت الحياة خيرًا لي٣، وتوفّني إذا كانت الوفاة خيرًا لي. اللهم وَأسألك خشيتك في الغيب والشهادة، وأسألك كلمةَ الحقّ في الغضب والرضا٤، وأسألك

القصد في الفقر والغنى، وأسألك نعيمًا لا ينفد، وأسألك قرةَ عين لا تنقطع، وأسألك بردَ العيش بعد الموت، وأسألك لذة النظر إلى وجهك الكريم٥، وأسألك الشوق إلى لقائك، في غير ضرّاء مُضِرّة ولا فتنة مضِلّة. اللهم زينا بزينة الإيمان" واجعلنا هداةً مهتدين".

وفي أثر آخر: "طال شوق الأبرار إلى لقائي، وأنا إلى لقائهم أشدّ شوقًا"٦.

  1. = أبي مجلز قال: صلى بنا عمّار، فذكره.
    ورواه حماد بن زيد وحماد بن سلمة وغيرهما عن عطاء بن السائب عن أبيه عن عمار فذكره. أخرجه النسائي (١٣٠٥) وابن حبان (١٩٧١) والبيهقي في الأسماء والصفات (٢٤٤) وغيرهم.
    والحديث صححه ابن حبان والحاكم وغيرهما.
  2. (١) ف: "في أنه".
  3. (٢) لم ترد "أما" في ف. وسقط قبلها "قال" من ز.
  4. (٣) "إذا … لي" ساقط من س.
  5. (٤) س: "في الحق والرضا".
  6. (٥) "الكريم" ساقط من ف.
  7. (٦) أورده المؤلف في طريق الهجرتين (٧١٥)، وروضة المحبين (١١٣) وقال فيه: "جاء في أثر إسرائيلي". وقد أخرجه صاحب الفردوس (٨٠٦٧) عن أبي الدرداء، وانظر: إحياء العلوم (٤/ ٣٢٤)، وحلية الأولياء (١٠/ ٩٦) (ص). =
428

وهذا هو المعنى الذي عبّر عنه النبي ﷺ بقوله: "من أحبَّ لقاءَ الله أحبّ الله لقاءَه"١.

وقال بعض أهل البصائر٢ في قوله تعالى: ﴿مَنْ كَانَ يَرْجُو لِقَاءَ اللهِ فَإِنَّ أَجَلَ اللهِ لَآتٍ﴾ [العنكبوت: ٥]: لمّا علم الله سبحانه شدة شوق أوليائه إلى لقائه، وأنّ قلوبهم لا تهدأ دون لقائه، ضرب لهم أجلًا وموعدًا للّقاء تسكن نفوسهم به.

وأطيب العيش وألذّه على الإطلاق عيش المحبّين المشتاقين المستأنسين، فحياتهم هي الحياة الطيبة في الحقيقة، ولا حياة للعبد أطيب ولا أنعم ولا أهنأ منها. وهي الحياة الطيبة المذكورة في قوله تعالى: ﴿مَنْ عَمِلَ صَالِحًا مِنْ ذَكَرٍ أَوْ أُنْثَى وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَلَنُحْيِيَنَّهُ حَيَاةً طَيِّبَةً﴾ [النحل: ٩٧]. ليس المراد منها الحياة المشتركة بين المؤمنين والكفار٣، والأبرار والفجار، من طيب المأكل والملبس والمشرب والمنكح؛ بل ربما زاد أعداء الله على أوليائه في ذلك أضعافًا مضاعفةً.

وقد ضمن الله سبحانه لكلّ من عمل صالحًا أن يحييه حياة طيبة،

  1. = وأخرجه عبد الغني المقدسي في الترغيب في الدعاء (١٦) عن أحمد بن مخلد الخراساني قال: قال الله ﷿: ألا قد طال شوق الأبرار إلى لقائي، وإني إليهم لأشد شوقًا. وما تشوق المشتاقون إلا بفضل شوقي إليهم … " (ز).
  2. (١) من حديث عبادة بن الصامت ﵁. أخرجه البخاري في الرقاق، باب من أحبّ لقاء الله أحبّ الله لقاءه (٦٥٠٧)، ومسلم في الذكر والدعاء، باب من أحبّ لقاء الله … (٢٦٨٣).
  3. (٢) هو أبو عثمان الحيري النيسابوري (٢٩٨ هـ). انظر الرسالة القشيرية (٣٣٢).
    وقد نقل المؤلف قوله في روضة المحبين (١١٣، ٥٨١) أيضًا.
  4. (٣) "والكفار" ساقط من ف.
429

الفهرس

البحث في الكتاب

    فهارس الكتاب

      القراءة

      حجم الخط
      21
      الخط
      المظهر
      العرض
      التشكيل
      التمييز بالألوان
      الحواشي
      الصفحة
      الصفحة الحالية

      مفاتيح: ← التالية · → السابقة · T الفهرس · / البحث · N الحواشي