الداء والدواء

وهذا هو المعنى الذي عبّر عنه النبي ﷺ بقوله: "من أحبَّ لقاءَ الله أحبّ الله لقاءَه"١.

وقال بعض أهل البصائر٢ في قوله تعالى: ﴿مَنْ كَانَ يَرْجُو لِقَاءَ اللهِ فَإِنَّ أَجَلَ اللهِ لَآتٍ﴾ [العنكبوت: ٥]: لمّا علم الله سبحانه شدة شوق أوليائه إلى لقائه، وأنّ قلوبهم لا تهدأ دون لقائه، ضرب لهم أجلًا وموعدًا للّقاء تسكن نفوسهم به.

وأطيب العيش وألذّه على الإطلاق عيش المحبّين المشتاقين المستأنسين، فحياتهم هي الحياة الطيبة في الحقيقة، ولا حياة للعبد أطيب ولا أنعم ولا أهنأ منها. وهي الحياة الطيبة المذكورة في قوله تعالى: ﴿مَنْ عَمِلَ صَالِحًا مِنْ ذَكَرٍ أَوْ أُنْثَى وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَلَنُحْيِيَنَّهُ حَيَاةً طَيِّبَةً﴾ [النحل: ٩٧]. ليس المراد منها الحياة المشتركة بين المؤمنين والكفار٣، والأبرار والفجار، من طيب المأكل والملبس والمشرب والمنكح؛ بل ربما زاد أعداء الله على أوليائه في ذلك أضعافًا مضاعفةً.

وقد ضمن الله سبحانه لكلّ من عمل صالحًا أن يحييه حياة طيبة،

  1. = وأخرجه عبد الغني المقدسي في الترغيب في الدعاء (١٦) عن أحمد بن مخلد الخراساني قال: قال الله ﷿: ألا قد طال شوق الأبرار إلى لقائي، وإني إليهم لأشد شوقًا. وما تشوق المشتاقون إلا بفضل شوقي إليهم … " (ز).
  2. (١) من حديث عبادة بن الصامت ﵁. أخرجه البخاري في الرقاق، باب من أحبّ لقاء الله أحبّ الله لقاءه (٦٥٠٧)، ومسلم في الذكر والدعاء، باب من أحبّ لقاء الله … (٢٦٨٣).
  3. (٢) هو أبو عثمان الحيري النيسابوري (٢٩٨ هـ). انظر الرسالة القشيرية (٣٣٢).
    وقد نقل المؤلف قوله في روضة المحبين (١١٣، ٥٨١) أيضًا.
  4. (٣) "والكفار" ساقط من ف.
429

فهو صادق الوعد الذي لا يخلف وعده. وأيّ حياة أطيب من حياة مَن اجتمعت همومه كلّها، وصارت همًّا واحدًا في مرضاة الله، ولَمَّ شعثَ قلبه بالإقبال على الله١، واجتمعت إراداته وأفكاره التي كانت منقسمةً -بكل وادٍ منها شعبة- على الله. فصار ذكرُ محبوبه الأعلى، وحبّه،

والشوق إلى لقائه، والأنس بقربه = هو المستولي عليه٢. وعليه تدور همومه وإراداته وقصوده٣، بل خطرات قلبه. فإن سكت سكت بالله، وإن نطق نطق بالله. وإن سمع فبه يسمع، وإن أبصر فبه يبصر. وبه يبطش، وبه يمشي، وبه يتحرك، وبه يسكن. وبه يحيا، وبه يموت، وبه يبعث؛

كما في صحيح البخاري عنه ﷺ فيما يروي عن ربّه ﵎ أنّه قال:

"ما تقرّب٤ إليّ عبدي بمثل أداء ما افترضتُ عليه. ولا يزال عبدي يتقرّب إلي بالنوافل حتّى أحبّه. فإذا أحببتُه كنتُ سمعَه الذي يسمع به، وبصره الذي يبصر به، ويده التي يبطش بها، ورجله التي يمشي بها٥. فبي يسمع، وبي يبصر، وبي يبطش، وبي يمشي.

  1. (١) س: "لم يشغب قلبه … ". ل، خا: "لم يتشغب قلبه … ". وفي ف: "لم يشغب قلبه بالإقبال على سوى الله تعالى"، وهذا صحيح في المعنى، ولكن رجحنا ما جاء في ز. ويؤيده قول المؤلف في المدارج (٣/ ٩٦): "ولا يلمّ شعث القلوب شيء غير الإقبال على الله"، وفيه (٣/ ١٦٤): "ففي القلب شعثٌ لا يلمّه إلا الإقبال على الله". وانظر ما يأتي في كتابنا هذا (٤٩٦). وفي ط المدني وعبد الظاهر وغيرهما: "ولم يتشعب قلبه، بل أقبل على الله"، والظاهر أنه تصرّف من الناشرين.
  2. (٢) "عليه" ساقط من س.
  3. (٣) "وقصوده" ساقط من ف.
  4. (٤) ف: "وما تقرب".
  5. (٥) ل: "عليها".
430

الفهرس

البحث في الكتاب

    فهارس الكتاب

      القراءة

      حجم الخط
      21
      الخط
      المظهر
      العرض
      التشكيل
      التمييز بالألوان
      الحواشي
      الصفحة
      الصفحة الحالية

      مفاتيح: ← التالية · → السابقة · T الفهرس · / البحث · N الحواشي