فهو صادق الوعد الذي لا يخلف وعده. وأيّ حياة أطيب من حياة مَن اجتمعت همومه كلّها، وصارت همًّا واحدًا في مرضاة الله، ولَمَّ شعثَ قلبه بالإقبال على الله١، واجتمعت إراداته وأفكاره التي كانت منقسمةً -بكل وادٍ منها شعبة- على الله. فصار ذكرُ محبوبه الأعلى، وحبّه،
والشوق إلى لقائه، والأنس بقربه = هو المستولي عليه٢. وعليه تدور همومه وإراداته وقصوده٣، بل خطرات قلبه. فإن سكت سكت بالله، وإن نطق نطق بالله. وإن سمع فبه يسمع، وإن أبصر فبه يبصر. وبه يبطش، وبه يمشي، وبه يتحرك، وبه يسكن. وبه يحيا، وبه يموت، وبه يبعث؛
كما في صحيح البخاري عنه ﷺ فيما يروي عن ربّه ﵎ أنّه قال:
"ما تقرّب٤ إليّ عبدي بمثل أداء ما افترضتُ عليه. ولا يزال عبدي يتقرّب إلي بالنوافل حتّى أحبّه. فإذا أحببتُه كنتُ سمعَه الذي يسمع به، وبصره الذي يبصر به، ويده التي يبطش بها، ورجله التي يمشي بها٥. فبي يسمع، وبي يبصر، وبي يبطش، وبي يمشي.
(١) س: "لم يشغب قلبه … ". ل، خا: "لم يتشغب قلبه … ". وفي ف: "لم يشغب قلبه بالإقبال على سوى الله تعالى"، وهذا صحيح في المعنى، ولكن رجحنا ما جاء في ز. ويؤيده قول المؤلف في المدارج (٣/ ٩٦): "ولا يلمّ شعث القلوب شيء غير الإقبال على الله"، وفيه (٣/ ١٦٤): "ففي القلب شعثٌ لا يلمّه إلا الإقبال على الله". وانظر ما يأتي في كتابنا هذا (٤٩٦). وفي ط المدني وعبد الظاهر وغيرهما: "ولم يتشعب قلبه، بل أقبل على الله"، والظاهر أنه تصرّف من الناشرين.
(٢) "عليه" ساقط من س.
(٣) "وقصوده" ساقط من ف.
(٤) ف: "وما تقرب".
(٥) ل: "عليها".
ولئن١ سألني لأعطينّه٢، ولئن استعاذني٣ لأعيذَنّه. وما تردّدتُ عن شيء أنا فاعلُه تردّدي عن قبض نفس عبدي المؤمن، يكره الموتَ وأكره مساءتَه، ولا بدّ له منه"٤.
فتضمّن هذا الحديث الشريف الإلهي -الذي حرامٌ على غليظِ الطبع كثيفِ القلب فهمُ معناه والمرادِ به- حصرَ أسباب محبته في أمرين: أداء فرائضه، والتقرّب إليه٥ بالنوافل.
وأخبر سبحانه أنّ أداء فرائضه أحبّ ما تقرّب به إليه٦ المتقرّبون،
(١) ف، ز: "فلئن".
(٢) "فبي يسمع … عطينه" ساقط من ل.
(٣) س، ز: "استعاذ بي".
(٤) من حديث أبي هريرة ﵁. أخرجه البخاري في الرقاق، باب التواضع (٦٥٠٢)، ما عدا قوله: "فبي يسمع … وبي يمشي". وبهذه الزيادة نقله المؤلف من رواية البخاري في روضة المحبين (٥٥٤) والمدارج (٢/ ٤١٣)، وكذا شيخ الإسلام في مجموع الفتاوى (٥/ ٥١١) وغيره. قال الألباني: "لم أر هذه الزيادة عند البخاري ولا عند غيره ممن ذكرنا من المخرجين، وقد ذكرها الحافظ في أثناء شرحه للحديث نقلًا عن الطوفي ولم يعزها لأحد". سلسلة الأحاديث الصحيحة (٤/ ١٩١). وانظر في شرح الحديث: مجموع الفتاوى (١٨/ ١٢٩). (ص). هذه الرواية ذكرها الحكيم الترمذي في نوادر الأصول (ق ٥٦/ أ، ٧٠/ أ، ١٩٠/ أ) بدون سند، فقال: يحقق ذلك حديث عائشة ﵂ عن رسول الله ﷺ عن جبريل عن ربه جلّ وعزّ قال: "إذا أحببت عبدي كنت سمعه وبصره ولسانه، فبي يسمع، وبي يبصر، وبي ينطق، وبي يعقل" (ز).
(٥) "إليه" ساقط من ف.
(٦) "به" ساقط من س. وفي ل: "أحبّ إليه مما تقرب به".