الداء والدواء

ثم بعدها النوافل؛ وأنّ المحبّ لا يزال يُكثر من النوافل حتى يصير محبوبًا لله. فإذا صار محبوبًا لله أوجبت محبةُ الله له محبةً أخرى منه لله، فوق المحبة الأولى١، فشغلت هذه المحبة قلبه عن الفكرة والاهتمام بغير محبوبه، وملكت عليه روحه، ولم يبقَ فيه سعة لغير محبوبه البتّة. فصار ذكر محبوبه وحبّه ومثله الأعلى مالكًا لزمام قلبه، مستوليًا على روحه، استيلاءَ المحبوب على محبّه٢ الصادقِ في محبته التي٣ قد اجتمعت قوى حبّه كلّها له٤.

ولا ريب أنّ هذا المحبّ إن سمع سمع بمحبوبه، وإن أبصر أبصر به، وإن بطش بطش به، وإن مشى مشى به. فهو في قلبه٥، ومعه، وأنيسه، وصاحبه. فالباء هاهنا باء المصاحبة٦، وهي مصاحبة لا نظير لها، ولا تدرك بمجرد الإخبار عنها والعلم بها، فالمسألة حاليّة لا علمية محضة.

وإذا كان المخلوق يجد هذا في محبة المخلوق٧ التي لم يُخلَق لها ولم يُفطَر عليها، كما قال بعض المحبّين:

خيالك في عيني وذكرك في فميومثواك في قلبي فأين تغيبُ؟٨
  1. (١) ف: "محبة الله محبة أخرى هي فوق … ".
  2. (٢) ف: "حبّه".
  3. (٣) كذا في جميع النسخ، ولعل الصواب: "الذي".
  4. (٤) "له" ساقط من س.
  5. (٥) "في" ساقطة من س.
  6. (٦) وانظر عدة الصابرين (٧٨ - ٧٩).
  7. (٧) ف: "محبته المخلوق".
  8. (٨) لأبي الحكم ابن غَلِندو الإشبيلي الطبيب. انظر معجم الأدباء (١١٩٤). وقد =
432

وقال آخر١:

ومن عجبٍ أنّي أحِنّ إليهموأسأل عنهم مَن لقيتُ وهم معي٢
وتطلبهم عيني وهم في سوادهاويشتاقهم قلبي وهم بين أضلُعي٣

وهذا ألطف من قول الآخر:

إن قلتُ غبتَ فقلبي لا يصدّقنيإذ أنت فيه مكان السرِّ لم تغِبِ
أو قلتُ ما غبتَ قال الطرف ذا كَذِبٌفقد تحيّرتُ بين الصدق والكذبِ٤

فليس شيء أدنى إلى المحبّ من محبوبه، وربما تمكنت منه المحبة حتى يصير أدنى إليه من نفسه، بحيث ينسى نفسه ولا ينساه٥، كما قال٦:

  1. = أنشده المصنف في روضة المحبين (١٥٥)، وطريق الهجرتين (٤٦)، ومع بيت آخر في مفتاح دار السعادة (١/ ٤٣٩). وانظر الجواب الصحيح (٣/ ٣٣٦، ٣٦٨)، ومنهاج السنة (٥/ ٣٧٧).
  2. (١) ف، ز: "الآخر".
  3. (٢) ز: "ومن عجبي".
  4. (٣) البيتان للقاضي الفاضل في ديوانه (٤٩٢). وقد أنشده المؤلف في هداية الحيارى (١٥٣)، والروضة (١٠٠، ٣٨٥)، والمفتاح (١/ ٤٣٩)، وشيخه في الرد على البكري (٣٤٩)، والجواب الصحيح (٣/ ٣٣٦، ٣٦٨) والمنهاج (٥/ ٣٧٧).
  5. (٤) أنشدهما المصنف في هداية الحيارى (١٥٤).
  6. (٥) ف: "بحيث إنه ينسى نفسه ولا ينسى محبوبه".
  7. (٦) س: "قال آخر".
433

الفهرس

البحث في الكتاب

    فهارس الكتاب

      القراءة

      حجم الخط
      21
      الخط
      المظهر
      العرض
      التشكيل
      التمييز بالألوان
      الحواشي
      الصفحة
      الصفحة الحالية

      مفاتيح: ← التالية · → السابقة · T الفهرس · / البحث · N الحواشي